05/18/2026
في مديح الخيط الرفيع قراءة في “بخيط من حبر” لخالد بُرَيْه
العنوان هو أول النص وآخره.
“بخيط من حبر” — ثلاث كلمات تحمل فلسفة كاملة في الكتابة. الباء للاستعانة، والخيط للدقة والرهافة، والحبر للأثر. وفي اجتماعها إقرار ضمني بأن الكتابة ليست سلطة ولا ضجيج، بل هي عمل يدوي دقيق، أقرب إلى الخياطة منه إلى الخطابة. الكاتب هنا حِرَفيٌّ يجلس على كرسيه بهدوء، ويشرع في نسج ما لا يُرى إلا حين يكتمل. وهذا وحده موقف — في عصر يتسابق فيه الكتّاب على الصوت العالي والحضور المدوّي.
لا يصح قراءة هذا الكتاب بوصفه مجموعة مقالات متفرقة جمعها صاحبه بين دفتين، لأنه وصف شكلي لا يفي الكتاب حقه. والأصح أن يُقرأ بوصفه تأملات في تجربة الكتابة من منظور من عاشها ولم يدرسها فحسب. فالفرق بين من يكتب عن الكتابة من برج أكاديمي ومن يكتب عنها من داخل الجرح فرق جوهري. وهو ينتمي إلى الصنف الثاني — لا يعرّف الكتابة بل يعيشها أمامك، ويكشف لك ندوبها وبهجتها في آن واحد.
ومن هنا تأتي قوة الكتاب الحقيقية: ليس في المعلومة التي يمنحك إياها، بل في الحال التي يُوقعك فيها. تقرأ فتشعر أنك أمام (إنسان كوني) يكتب ذوب فؤاده وعصارة افكاره.
الكتاب لا يسعى إلى إجابات مكتملة، ولم يُكتب بنفَس من يملك اليقين، بل من يسكن السؤال ويجد فيه راحته. وهذا نادر في الكتابة العربية المعاصرة التي تميل إلى التصريح والحسم والفتوى الأدبية. فهو يختار الإيماء على التصريح، ويثق بذكاء قارئه في ملء الفراغات. والفراغ عنده ليس غياباً — بل هو جزء من البناء.
غير أن هذا الوعي بقيمة الصمت لم يسلم دائماً من منازعة الكثافة — فكثافة اللغة وتتابع الجمل عالية النبرة جعلتني أشعر بما يمكن تسميته إرهاق الضوء. الجملة المتوهجة تفقد فرادتها إذا كانت كل الجمل مشحونة بالصور والحرارة البلاغية. وهو يعرف هذا، لكنه وقع أحياناً في مطب التزاحم البلاغي. والإنصاف يقتضي القول إنه في مواضع أخرى نجا من هذا المطب بخفة لافتة، حين استخدم جملاً هادئة قليلة الزينة مثّلت للقارئ منطقة تنفس داخل النص وأعادت له توازنه.
الكتابة عن الكتابة جنس أدبي محفوف بالمخاطر. أبرزها: النرجسية المُقنَّعة باسم التأمل، والتكرار المُلبَّس بثوب العمق، والانشغال بالكتابة بوصفها مهارةً وأداءً لا بوصفها كشفاً ورؤية. وما يُنقذ هذا الكتاب من تلك المصيدة هو أن صاحبه لا يكتب عن الكتابة لأنه يعشق نفسه كاتباً — بل لأنه يريد أن يفهم لماذا يكتب أصلاً. وهذا سؤال مختلف تماماً، وأكثر شجاعة.
في كل صفحة من صفحاته يتأكد أنه لا يراهن على القارئ الذي يبحث عن معلومة، ولا على الناقد الذي يبحث عن مدخل. بل يراهن على ذلك القارئ النادر الذي يأتي إلى الكتاب وهو يحمل سؤالاً عالقاً عن الكتابة والمعنى والوجود، فيجد في صفحاته ليس إجابة — بل رفيقاً في السؤال.
“بخيط من حبر” كتاب لمن يؤمن بأن الرفيع لا يموت، وإن ظل خيطاً رفيعاً في عالم يُفضّل الحبال الغليظة.
عبدالعليم القاضي