30/03/2026
هذا المقال يندرج تحت فئة : النقد السياسي
حين تتحوّل الأوطان إلى مسرحيات
عن الزيف السياسي والتصفيق الأعمى
في كثيرٍ من بلداننا لم تعد السياسة إدارةً لشؤون الناس، بل تحوّلت إلى مسرحية طويلة تتكرّر فصولها كل يوم. يقف الحاكم على الخشبة، يلقي خطابه المألوف، ويجلس الجمهور في القاعة ليصفّق حتى لو لم يفهم لماذا يصفّق. وهكذا يصبح الوطن مسرحًا، وتصبح الحقيقة ضيفًا ثقيلاً لا يُدعى إلى العرض.
لقد وصلنا إلى مفارقةٍ غريبة: أوطانٌ بلا دولة.
فالوطَن لا تبنيه الخطب الحماسية، بل تحميه مفاهيم الدولة: القانون، والمؤسسات، والمساءلة، وكرامة الإنسان. أمّا حين تُستبدل هذه المفاهيم بسيلٍ من الشعارات، فإننا لا نؤسس دولة، بل نؤجّل قيامها عامًا بعد عام، حتى تصبح فكرة “الجمهورية” مجرد كلمة جميلة في الخطب.
وفي هذا المسرح السياسي العجيب، يخرج الحاكم كل مرة في دور “المنقذ الأبدي”. يقف بثقةٍ كاملة، يوزّع النصائح على الشعب، ويدّعي صلاح العباد والبلاد، وكأن البلاد كانت ستضيع لولا حكمته الخارقة. لكن الحقيقة أن النبرة واحدة، والخطاب واحد؛ كأنهم جميعًا يسيرون في نهج فرعون حين قال:
﴿ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾.
هم يرون وحدهم، ويهتدون وحدهم، أمّا الشعب فمطلوبٌ منه فقط أن يصدّق… ويصفّق. هنا تختزل الحقيقة في رأي الحاكم، ويُطلب من الناس التسليم لا المشاركة.
فكل زعيمٍ يقدّم نفسه على أنّه المخلّص،
وكل حزبٍ يعلن أنّه وحده الحارس الحقيقي للوطن،
وكل خطابٍ سياسي يوحي بأن الحقيقة كاملة في صفّه.
لكن ما إن تنطفئ أضواء المسرح وتختفي الكاميرات، حتى يظهر المشهد الحقيقي: شعبٌ يرزح تحت ثقل الأيام، وجوهٌ أرهقتها الأزمات، وناسٌ تسأل : أين هؤلاء مما نعيشه؟ أين هم من تعب الناس، من ضيق العيش، من وطنٍ يذبل أمام أعين أبنائه؟ وكأنهم لم يسمعوا يومًا قوله تعالى:
﴿إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً﴾.
فمن يتأمل حال السياسة عندنا، قد يحتار: هل الآية تصف من يُساق بلا تفكير… أم من يقود البلاد بلا بصيرة؟
ربما لم يعد هناك فرعون واحد كما في القصص القديمة،
لكن أخطر ما في التاريخ أن العقليات قد تبقى حتى لو تغيّرت الأسماء.
والأوطان لا تتحرر من هذا المنطق إلا عندما يدرك الناس أن الدولة لا تُبنى بالزعامات ولا بالشعارات، بل بالمحاسبة والمؤسسات، وبالقدرة على قول كلمة واحدة للحاكم: لسنا قطيعًا… بل مواطنون.
وهكذا تستمر المسرحية: حاكمٌ يخطب، وسياسيون يتبارون في البطولة على الشاشات، وشعبٌ يتابع العرض بين ساخرٍ ومتعب.
أما الوطن، فيبقى جالسًا في الصف الأخير… ينتظر يومًا تُطفأ فيه أضواء المسرح ليبدأ شيء يشبه الدولة
ما رايك؟