06/09/2026
يا ابنَ آدم، اسمع وعِ، فإنما أنتَ غرضٌ للموت، ورَهْنٌ للزمن، وسائرٌ إلى غايةٍ لا محيد عنها.
يا هذا!
ما لكَ وللدنيا؟
تُقبل عليها إقبالَ من لا فراقَ له عنها، وتجمعها جمعَ من يظن أن خزائنها تُغنيه، وتُكثر فيها الأملَ كأن الموتَ لا يعرف طريقك.
أما والله، إنك منها لراحل، وإنها عنك لزائلة.
فيا عجبًا لمن يرى الليلَ والنهارَ يأكلان عمره، ثم يضحك!
ويَعدُّ المالَ فلا يَعدُّ الأيام، ويحسبُ الدراهمَ ولا يحسبُ الأنفاس، ويخافُ نقصانَ رزقه ولا يخافُ نقصانَ عمره!
يا هذا، إن الساعةَ التي تذهب منك لا تُشترى بملء الأرض ذهبًا.
ذهبت ساعةٌ، ذهب بعضُك.
ومضى يومٌ، مضى بعضُ عمرك.
وانقضى عامٌ، انقضت قطعةٌ من حياتك.
فما لكَ تُفرِّط فيما لا يعود؟
أما رأيتَ أصحابَك كيف مضوا؟
وأين الذين كانوا بالأمس يملؤون المجالس ضجيجًا؟
أين الذين كانت لهم الدورُ والقصور؟
أين الذين جمعوا، ومنعوا، وأمَّلوا، وطال بهم الأمل؟
أصبحوا أخبارًا بعد أن كانوا آثارًا.
كانوا هنا، فليسوا هنا.
وكانوا بيننا، فصاروا تحت الثرى.
يا ابنَ آدم، لا تغرَّنَّكَ صحةُ البدن؛ فإن السقمَ أقربُ إليك مما تظن.
ولا تغرَّنَّكَ قوّتك؛ فإن الترابَ يسوّي بين القوي والضعيف.
ولا يغُرَّنَّكَ شبابُك؛ فإن المشيبَ رسولٌ لا يتأخر.
ولا يغُرَّنَّكَ فراغُك؛ فإن الأيامَ إذا ولّت لا تستأذن.
يا هذا!
أتدري ما مصيبتك؟
ليست المصيبة أن يفوتك مال.
ولا أن يذهب منك جاه.
ولا أن ينصرف عنك الناس.
المصيبة أن تفوتك ساعةٌ كان يمكن أن تكون لك عند الله، فتكون عليك.
ساعةٌ في غفلة.
ساعةٌ في لغو.
ساعةٌ في خصومة.
ساعةٌ في تتبع ما لا يعنيك.
ساعةٌ وراء ساعة...
حتى إذا بلغ الكتابُ أجله، قلتَ: يا ليتني!
وهناك لا تنفع «ليت».
فإياك والدنيا!
إياك أن تجعلها غايةَ همك، ومبلغَ علمك، وغايةَ سعيك.
فإنها تُضحك قليلًا وتُبكي طويلًا، وتُعطيك اليومَ لتأخذ منك غدًا، وتكسوك ثم تجرّدك، وتجمع لك ثم تفرّق عنك.
تُعطيك القصرَ، ثم تُعطيك القبر.
تُعطيك الصحةَ، ثم تُعطيك السقم.
تُعطيك الاجتماعَ، ثم تُعطيك الفراق.
فأين العاقل؟
يا عباد الله، إنما أنتم أيامٌ معدودة؛ فإذا ذهب يومٌ ذهب بعضُكم.
فلا تقولوا: غدًا.
فكم من غدٍ لم يُدركه صاحبُه!
ولا تقولوا: إذا فرغنا.
فكم من رجلٍ فرغ من الدنيا قبل أن يفرغ من أمانيه!
ولا تقولوا: ما زال في العمر بقية.
فإن الموتَ لا يستأذن شابًّا، ولا يهاب قويًّا، ولا يؤخر غنيًّا، ولا يمهل فقيرًا.
أما والله، إن القبرَ لأقربُ إلى أحدكم من شِراك نعله، وإن الموتَ وراء كل حي، وإن الساعةَ وراء كل نفس.
فأعدّوا للسؤال جوابًا، وللقبر زادًا، وللموت عملًا.
يا هذا!
إن كنتَ لا تستطيع أن تمنع الموت، فاستعدَّ له.
وإن كنتَ لا تستطيع أن تردَّ الزمن، فلا تُضيّعه.
وإن كنتَ لا تستطيع أن تشتري يومًا مضى، فلا تَبِع يومًا بقي.
هذه الدنيا سوقٌ، وقد انفضَّ أهلُها، وبقيت البضاعةُ والنداء.
فطوبى لمن اشترى آخرته بدُنياه، وخسر الدنيا ولم يخسر نفسه.
والويلُ لمن باع آخرته بلذةٍ عابرة، وضحكةٍ زائلة، وشهوةٍ فانية.
يا ابنَ آدم، ستُدفن وحدك.
وسيُترك عنك مالك.
وسيُغلق دونك بابك.
وسينصرف عن قبرك أهلك وأصحابك.
ويبقى معك عملك.
فانظر ماذا تُقدّم غدًا لنفسك.
فإياك والغفلة!
فإن الغفلةَ موتُ القلب، وإن طولَ الأمل سُكرُ العقل، وإن حبَّ الدنيا قيدٌ لا يشعر به المأسور حتى يُسحب إلى القبر.
فاستيقظ قبل أن تُوقظ.
وتُب قبل أن تُجبر.
وازهد قبل أن تُزهد.
واعلم أن كل نفسٍ ينقص من عمرك، وكل صباحٍ يقرّبك من قبرك، وكل ساعةٍ تمضي عليك تقول لك بلسان الحال:
قد مضيتُ، فلن أعود.
فماذا أنت فاعلٌ فيما بقي؟
فوالله، إن بقي من العمر نفسٌ واحد، ففيه بابٌ للتوبة.
وإن بقيت ساعة، ففيها عمل.
وإن بقي يوم، ففيه نجاة.
فلا تضيعوا البقية كما ضيعتم الماضية.
فالعاقل من اتعظ بما مضى، واستعد لما بقي، ولم يجعل الدنيا أكبر همّه، ولا غاية علمه، ولا آخر أمله.
أما والله، ليأتينَّ يومٌ تتمنى فيه ساعةً واحدةً من عمرك؛ فلا تجدها.
فاجعل ساعتك هذه لله.
فإنها — والله — رأس مالك.
فإن ضاعت، ضعت. وإن حفظتها، نجوت.