22/08/2026
مشتتة بين بنقردان وجرجيس وميناء الكتف والجدارية وبرج جرجيس ومستشفيات الجهة، هكذا عاشت وما تزال عائلات المفقودين في كارثة غرق مركب الهجرة، ومعهم مئات المتطوعين الذين يبحثون عنهم أو عن جثة أو حتى عن معلومة تطمئن قلبا أنهكه الانتظار.
ما ثبت من المعطيات إلى حد الآن وجود ناج وحيد من هذه الكارثة، فيما تم انتشال ثماني جثث، وجرى توزيعها على مستشفيات جربة.
رحم الله أبناء بنقردان، وربط على قلوب عائلاتهم المكلومة.
لكن هذه الفاجعة لا يجب أن تنتهي عند خبر غرق المركب، أو عند تعداد الناجين والضحايا.
خلف كل اسم عائلة تنتظر، وأم أو أخت تسأل، وأب لا يعرف ماذا يجيب أو ماذا يفعل أو إلى أين يتوجه.
هناك سؤال أكبر، وربما أكثر وجعا: لماذا أصبح ابن بنقردان مضطراً إلى الرحيل أصلا؟
في مدينة تقع على مرمى حجر من رأس جدير، أحد أهم المعابر بين تونس وليبيا، يفترض أن يكون الشاب العاطل عن العمل قادرا على البحث عن رزقه في مدينته، لا أن يجد نفسه في النهاية مضطرا إلى اجتياز البحر نحو الضفة الأخرى من المتوسط، وهو يعرف أن الرحلة قد تنتهي بكارثة تقصف شبابه قبل أن يبدأ حياته.
معبر رأس جدير لم يكن بالنسبة إلينا مجرد معبر. كان رزقا وحركة وتجارة وحياة كاملة.
سابقا، عندما كانت الحركة تتعطل، كانت الدولة تتدخل. تُرفع سماعة الهاتف، تتحرك الحكومة، تبدأ المفاوضات مع الجانب الليبي، ويتدخل أعيان الجهة والوسطاء، لأن الجميع كان يعرف أن المسألة أكبر من نقطة حدودية.
كان رأس جدير مسألة اقتصاد واستقرار اجتماعي، وربما مسألة كرامة أيضا بالنسبة إلى مدينة عاشت طويلا على هذا الشريان.
اليوم، يعيش المعبر منذ سنوات على وقع الإغلاق والاضطراب، وبنقردان تدفع الثمن.
آلاف العائلات ارتبط رزقها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بالحركة عبر رأس جدير. وعندما ينقطع هذا الشريان، لا تتوقف التجارة فقط، بل تتقلص فرص العمل، ويضيق الأفق، ويصبح الشاب أمام سؤال بسيط وقاس: ماذا سأفعل غدا؟
منذ سنوات، كلما أعود إلى المدينة، أجدها تنحدر من حال إلى أسوأ منها، في أكثر من ناحية، حتى وصلنا إلى ما يشبه الانسداد الكامل للأفق.
وفي خضم هذه الفاجعة، وقبل ان يبدأ مسؤولو الدولة في تعزية العائلات او القيام بدور ما بعد الكارثة، يصبح السؤال مشروعا:
أين الحكومة؟ أين الرئاسة؟
أين السلطات المعنية؟ من تحدث مع الجانب الليبي بشأن رأس جدير المغلق منذ سنوات ؟ من منكم جلس مع أبناء بنقردان ليعرف ببساطة: كيف يعيشون؟
لا يمكن للسلطة أن تتعلل هذه المرة بأنها لا تعرف الوضع هناك. ففي كل مرة أتيحت فيها الفرصة لأبناء الجهة للحديث، تحدثوا بكل وضوح، وشرحوا مشاكلهم، وقدموا مطالبهم.
لا أحد يطلب فتح الحدود دون شروط، ولا تجاهل الاعتبارات الأمنية. المطلوب فقط أن تتعامل الدولة مع ابناء بنقردان كمواطنين، وكذلك مع رأس جدير باعتباره ملفا وطنيا وتنمويا واجتماعيا، لا مجرد نقطة على الخريطة.
بنقردان ليست مدينة هامشية تنتظر منّة من أحد بل هي مدينة دفعت الكثير، وقدمت الكثير، وكانت في كل مرة في الصفوف الأولى عندما احتاجت البلاد إلى أبنائها.
واليوم، من حق العائلات أن يسألوا الدولة: ماذا فعلتم حتى يبقى أبناؤنا هنا؟
وقبل ان تسأل انت: لماذا ركب البحر ؟ عليك ان تسأل اولا، لماذا لم يجد ما يجعله يبقى؟
🖊️بقلم الصحفي سعيد الزواري