04/09/2026
لماذا نقرأ سورة الكهف تحديدًا؟
يقرأ ملايين المسلمين سورة الكهف كل يوم جمعة..يحفظ بعضهم آياتٍ منها، ويكررون قراءتها أسبوعًا بعد أسبوع، ويعرفون ما ورد في فضلها والنور المرتبط بها، لكنّ سؤالًا يستحقّ أن نتوقف عنده قليلًا: لماذا سورة الكهف تحديدًا؟
ما الذي يمكن أن يجعل سورةً تضم قصصًا تبدو متباعدة، فتية يهربون إلى كهف، ورجل يملك جنتين، وموسى عليه السلام في رحلة مع عبد صالح، وملك عظيم يجوب الأرض..هذه القصص كلّها تجتمع في سورة واحدة؟
وإن بدت متباعدة، فإنها في حقيقتها قصةُ الإنسان حين يُفتن:
فتنة الدين.
فتنة المال.
فتنة العلم.
فتنة القوة.
الأولى قصة أصحاب الكهف: فتية يعيشون في مجتمع يعتقد ما لا يعتقدون، لكنّ الخوفَ من الاختلاف لم يغيّر ما استقر في قلوبهم: «﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا﴾»
هنا تظهر فتنة الدين: فكم من إنسان يعرف ويدرك الصواب، لكنّه يخشى أن يبدو مختلفًا عن الجماعة؟ وكم من شابٍّ يساير الجماعة ويساير الخطأ؛ لأنه لا يريد أن يخرج عن الجماعة، حرصًا على بعض القبول والراحة والمكاسب.
ثمّ تأتي فتنة المال، فتنتقل السورة إلى قصة رجل يملك جنتين، فينظر إليها ويقول:
«﴿مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا﴾». هنا المشكلة ليست في ما يملك الإنسان، بل في اللحظة التي يتحول فيها ما يملكه إلى الشعور بأنه لا يمكن أن يخسره..وظيفة مستقرة، رصيد يزداد، صحة جيدة، نجاح مستمر.
أشياء قد تتحوّل، دون أن يشعر الإنسان، من نعم يشكر الله عليها إلى أوهام يظن أنها لن تزول. ثم يأتي المثل: «﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ... فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾» وكأنّ السورة تهمس للإنسان: "ما بين يديك حقيقي، لكنه ليس دائمًا"
ثم تأتي فتنة العلم في قصة موسى مع العبد الصالح: أحداث تبدو في ظاهرها غير مفهومة، حتى يأتي التفسير في النهاية؛ فالإنسان يرى جزءًا صغيرًا من القصة، ثم يظن أنه يعرف كل شيء.
يحدث له أمر لا يفهمه، فيعتقد أن الحياة ظلمته. يُغلق في وجهه بابٌ، فيظن أن مستقبله انتهى. يخسر شيئًا، فيظن أن الخسارة هي كل الحكاية، لكنّ رؤية الإنسان للحظة ليست رؤيته للقصة كلها.
ثم تأتي فتنة القوّة في قصة ذي القرنين: رجل مكّنه الله في الأرض، وأعطاه من أسباب القوة، لكنه لم يرَ في ما أعطاه الله من قوّة سببًا للاستعلاء والتكبّر، بل قال بعد أن أنجز عمله: «﴿هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾»
فكم من إنسان تغيّر عندما امتلك السلطة؟ مدير نسي أنه كان يومًا موظفًا. صاحب شهرة نسي أن تأثيره في الناس مسؤولية قبل أن يكون امتيازًا.
القوة ليست فيما يستطيع الإنسان أن يفعله بالآخرين، بل فيما يصنعه بهم حين يصبح قادرًا. وهكذا، تتغير القصص، لكن الامتحان واحد.
الدين.
المال.
العلم.
القوة.
أربعة أشياء يحتاجها الإنسان في حياته، لكنها قد تتحول إلى فتن إذا فقد ميزانه؛ ولهذا ختمت السورة بالعودة إلى الحقيقة التي ينبغي تذكّرها دائما: «﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾»
ربما لهذا يقرأ ملايين المسلمين سورة الكهف كل جمعة؛ ليس لأن الإنسان يحتاج إلى قصة جديدة كل أسبوع، بل لأنه يحتاج إلى أن يتذكر، كل أسبوع، أن الفتنة قد تدخل حياته من الباب الذي يحبّه أكثر، وأن أخـ،ـطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يفقد شيئًا، بل أن يمتلك شيئًا، ثم يفقد نفسه بسببه.
من حساب الدكتور عبد الكريم بكار.
GadioBooks