28/02/2019
عزيزي الله ... ✨
في سنوات مراهقتي علّموني أنّي سأعلّق من شعري في جهنّم, وأنّي خلال سيري في طريق ما سيلعنني الشّجر والحجر وكلّما يوجد في الطّريق, وكأنّي طوال ما حييت مكشوفة الشّعر سأبقى خارج رحمتك .. لا أعرف يا الله كيف استطاعوا أن يجعلوا لرحمتك حدود, وأن يخرجونا ويدخلونا منها كما يشاؤون .. وعندما كنت أتوجّه أحياناً للصّلاة في المصلّيات العامّة وكنت على ما يبدو لا أؤدّي الصّلاة شكليّاً ببعض الحركات البسيطة فيها على أكمل وجه .. تتوجّه إليّ في كلّ مرة إحدى النّساء لتخبرني أنّ ماقمت به لا يجوز. وحرام, ويجب عليّ تصحيح الحركات. رغم أنّي كنت أستشعرك كثيراً في الصّلاة, إلى أنّي وبعد أكثر من تنبيه وشعوري بأنّي لابد أن أركّز في الحركات ذاتها أكثر من الروحانيّة .. بدأ يتخلّل صلاتي نوع من القلق, على عكس مايجب أن تكون, وكأنّ ما يهمّ في الصّلاة هو شكلها وليس تلك الصّلة الرّوحانية الخاصّة جداً بينك وبين كلّ إنسان صعيف منّا ..
علّمونا جيّدا أنّ التّساؤل عنك وعن قدرك وأفعالك ومحاولة فهمك وفهم الغيب لا يجوز, وكأنّهم لا يعرفون بأنّ حبّ شيِءٍ أو شخصٍ ما لا بدّ وأن يأتي مع الرّغبة الشّديدة بفهمه ومعرفته والتّسائل الدّائم عنه وعن أفعاله .. قتلوا فينا التّسائل عنك يا الله وزرعوا مكانه الكثير من الخوف ..
علّمونا بشكلٍ مباشرٍ وغير مباشر أنّ الهدف هو الوصول للجنّة وتجنّب النّار, وفي الحقيقة الهدف الوحيد هو أنت وأنت فقط. جعلونا نقدّس العبادات قبل أن نقدّسك, نفهم العبادات وربّما أيضاً بشكلٍ غير صحيح قبل أن نفهمك.
علّمونا أن نعتقد بأنّنا مبصرون في حين كنّا عمياناً جداً. أفكّر أحياناً يا الله .. كيف يكون لوصولك أنت الواسع الجميل العظيم طريق واحدة كما علّمونا ؟ كيف أحاطوا الطّرق إليك بمئات القوانين والقواعد كالأصنام على حافّة طريقٍ طويلة ؟ وأمرونا بتقدسيها بدل حثّنا بالإستمرار في الطّريق باحثين عنك وعن نورك ..
أنا يا الله, لم أعد أقتنع بكثير ممّا علّمونا. فجأةً وجدت نفسي تائهةً, ضائعةً, أصلّي, أصوم, ألتزم بما استطعت من عبادات لمجرّد إسقاط فرض, وفي مرحلةٍ ما شعرت بخجلٍ هائلٍ لالتزامي بواجباتٍ إتّجاهك فقط من باب الإعتياد, أو من باب إسقاط ما عليّ من واجبات. لا أريد ذلك يا الله ..
أريد أن أقوم بكلٍ شيءٍ من أجلك فقط. لا رغبةً بجنّةٍ ولا خوفاً من نار, لا تقديساً للعبادات ولا للفتاوى ولا للحرام والحلال .. بل تقديساً لك أنت.
أريد أن أصلّي وأصوم وأعطي وأحب وأجوب الأرض ناشرةً الخير رغبةً بك , في سبيل حبّك أنت, لا رعباً من غضبك وإخراجك لي من رحمتك.
أجدك يا الله في نجوم سماء الليل المتناهية الوسع, في نسيم الهواء, في الشّروق والغروب , في ابتسامة أولئك الضّعفاء, في صوت العصافير الذي يلمس روحي, في عطف أمّي اللامتناهي, في الحب, وفي موسيقى عظيمة, في لحطة حمدٍ صادقةٍ لإنسان فرّجت عنه برحمتك كرباً .. أجدك في كلّ شيء .. فجِدني يا الله .. جِدني من تيهي عنك .. من طريق ظننتها تؤدّي إليك أسلكها دون حبٍ ودون شغف .. جِدني يا الله و ضعني على طريق حبّك المطلق الصّادق النّقي, واجعلني أطفو بسلام في هذه الدّنيا عارفة أنّي جئت منك وسأعود إليك .. فأنت البداية وأنت النّهاية.. وأنت كلّ شيء.