12/04/2026
أعتقد أن الطب مهنة مرعبة فعلا.. هذا الرجل يلقي نظرة فاحصة إلى أحشائك وأجهزة جسدك، ويتبين العلامات على أنها لا تعمل جيدا.. وقد رأيت أناسا يمارسون حياتهم في نشاط وكفاءة، فلما عرفوا أنهم مرضوا صاروا كذلك فعلا، وبرغم أنني طبیب فإنني ما زلت أحتفظ بمشاعر المواطن العادي تجاه زیارة الأطباء مثلا ما زال قلبي يرتجف عندما يفرغ طبيب الأمراض الباطنية من قياس ضغط دمي ويفك الربطة عن ساعدي، ويتقلص وجهه كأنه لا يعرف من أين يبدأ..
أشعر بكراهية مجنونة لطبيب الأسنان، عندما يتأمل فمي المفتوح وتشيع في وجهه ابتسامة معناها: "حلاوتك !".. معنى هذا أنه وجد كوارث.. لابد أن في فمي فجوة بركانية وأخدودين..
سوف يحضر المثقاب إياه الذي يحطم الأعصاب ويعمل في فمي للأبد.. رأيت فيلما قديما كان النازيون فيه يعذبون ضحاياهم بوساطة طبيب أسنان يحمل مثقابا، وأعتقد أنه تعذيب عبقري فعلا...
هناك كذلك طبيب العيون وهو يفحص قاع عيني ويتنفس في ثقل وصعوبة، فأتوتر وأتوقع أن يخرج لینادي أعضاء الجمعية الأمريكية لطب العيون، ويلقي فيهم محاضرة عن حالتي. سوف يلتقط عشرات الصور لهذه الحالة النادرة التي لا علاج لها ولم يرها الطب قط، وينشر مقاله مهما عنها.. ربما يطلب مني التبرع بعيني لخدمة الطب.. هذا طبعا بعد موتي الذي صار وشیکا...
لقد اعتدت منذ طفولتي أن أعتبر طبيب الأسنان وطبيب العيون عدوين لي، ينتظران الفرصة لتدميري، حتى إنني أوشك على الصراخ باكيا:
"لماذا تتحرش بي أنا بالذات؟.. سأتهمك بالاضطهادا"
الست منهم لكني أعرف أن معظم الأطباء تقريبا يخافون الحقن جدا، ويخشون أن يضطروا لأن تخترق إبرة معدنية لحمهم.
يبدو لي أن هؤلاء يخافون الأطباء جدا لدرجة أنهم قرروا أن يصيروا منهم، حتى يكونوا خلف المدفع لا أمامه. سوف يعطون الخوف للآخرين بدلا من تلقيه..
على كل حال يمنحك الطب فرصة ممتازة، هي أن تنتقم من أطباء الأسنان وأطباء العيون. أكتشف أن المريض الذي أمامي طبيب أسنان فيتقلص وجهي وأفحصه وقد بدا على القلق والتوتر، ثم أعود للمكتب وأظل صامتا بعض الوقت وأغطي وجهي وأبعد نظراتي عنه.. هكذا يموت رعبا وقد أدرك أنني وجدت سرطائا من ألعن الأنواع. إنه سعيد الحظ على كل حال، فأنا لا أملك مثقابا أحفر به فمه وبالتأكيد لن اجري له تنظيرا قولونيا لمجرد الانتقام.. لا أملك انتقاما سوى أن أمنحه لحظات من القلق، وهذا ما أفعله!