05/07/2024
■ قال أحمد بن مسكين، وهو أحد علماء القرن الثالث الهجرى: «امتُحنت بالفقر فى أحد الأعوام، ولم يكن فى بيتى شىء، ولى امرأة وطفل، طوينا على جوع يخسف بالبطن خسفًا، فعزمت على بيع بيتى وخرجت أتسبب لبيعه، فلقينى صديقى (أبونصر)، فأخبرته بحالى ونيتى فى بيع البيت، فواسانى وأعطانى رقاقتين من الخبز والحلوى، قائلًا: أطعمها أهلك.
■ وفى الطريق لقيتنى امرأة ومعها طفل، فنظرت للرقاقتين متوسلة: سيدى هذا طفل يتيم جائع ولا صبر له على الجوع، فأطعمه شيئًا يرحمك الله، ونظر إلىَّ الطفل نظرة لا أنساها ما حييت، فأعطيت ما معى للمرأة قائلًا: خذى وأطعمى طفلك، والله لا أملك سواهما، وإن فى دارى لمَن هو أحوج إلى هذا الطعام، فدمعت عيناها وأشرق وجه الصبى.
■ ثم سِرت أجر قدمىَّ وأنا مهموم، فجلست فى الطريق وأنا أفكر فى بيع دارى، وبينما أنا كذلك، إذ مر بى (أبونصر) وكأنه يطير فرحًا، فقال: ما يُجلسك هنا وفى دارك الخير والغنى؟!، أجبته: سبحان الله.. من أين؟، قال: جاء رجل من خراسان يسأل الناس عن أبيك أو أحد من أهله ومعه أموال كثيرة.
■ يقول: إن أباك أودعه مالًا يتاجر فيه منذ ثلاثين عامًا، فربح كثيرًا، وأراد أن يتحلل، فجاء بالمال ورِبحه».
■ يقول أحمد بن مسكين: «فحمدت الله وشكرته، وبحثت عن المرأة وطفلها فكفيتها وأجريت عليها رزقًا، ثم تاجرت فى المال، وازددت فى الصدقة والمعروف والإحسان، والمال يزداد ولا ينقص، وكأنما أعجبتنى نفسى وسَرّنى أنى قد ملأت سجلات الملائكة بحسناتى، ورجوت أن أكون قد كُتبت عند الله من الصالحين، فنمت ليلة، فرأيت كأننى فى يوم القيامة والخلق يموج بعضهم فى بعض، وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم مخلوقة مجسَّمة، حتى لكأن على ظهر الفاسق مدينة كلها مخزيات، ثم وُضعت الموازين، وجىء بى لوزن أعمالى، فجُعلت سيئاتى فى كفة، وأُلقيت سجلات حسناتى فى كفة، فطاشت السجلات، ورجحت السيئات، ثم جعلوا يلقون الحسنة بعد الحسنة مما كنت أصنع، فإذا تحت كل حسنة (ش**ة خفية) من شهوات النفس كالرياء والغرور وحب المحمدة عند الناس، فلم يسلم لى شىء، فقيل: بقى هذا، فإذا الرقاقتان اللتان أحسنت بهما على المرأة وابنها، فأيقنت بالهلاك، فقد كنت أُحسن بمائة دينار مرة واحدة، فما أغنت عنى شيئًا، فانخذلت بشدة، فوُضعت الرقاقتان فى الميزان، فإذا بكفة الحسنات ترجح قليلًا، ثم وُضعت دموع المرأة المسكينة، التى بكت من أثر المعروف فى نفسها ومن إيثارى إياها على نفسى وأهلى، فإذا بالكفة ترجح بقوة، وسمعت صوتاً يهتف: (قد نجا.. قد نجا)