05/09/2026
أوتار الذات الأربعة في رواية رواية بالحبر الطائر للكاتبة عزة رشاد
مراجعة نقدية للناقد دكتور سيد محمد
المكتوب الإبداعي موضوع فهم من زوايا متعددة تصل النفسي بالاجتماعي والجمالي بالتداولي والحدسي بالحدود المنطقية والبلاغي بالمعياري، كل منظور يعالج المادة المسطورة من منظوره لخدمة مجاله العلمي، ويظل الإنسان صاحب الكتابة معلقا في فضائها يبحث عن قارئ يراه وهو يستقطر نفسه في الحبر، ولا بأس أن يحيرنا السارد المؤرق بصورة المروية التي ستحمل شيئا من منابع تيارات تجري في تكوينات طبقات وجوده الذي يبدو صلبا في مواجهة حياة تجددها متغيرات لم تكن مرئية في زمن البدايات وهو يضع أساس بنيانه الفكري، وعليه في الكتابة أن يستخرج من خرائط مرسومة بمقياس رسم صغير دال على أماكن نائية في خزانة الذاكرة، خطوطا أكثر إلهاما مهما كانت متعرجة وباهتة يحددها بوعي لحظة الشروع في الدخول من بوابة السرد الضخمة المتعددة المزاليج والممرات حتى يصل إلى حجرة تشغيل موسيقى صوته، فيختار اللاعبين المهرة لأداء الألحان المنفردة والمتصلة والمتداخلة والمتقاطعة، وقد يختار كذلك المتلقي الذي سيقوم بالتسجيل والتنسيق لذاك اللحن الناجي من دوامات الأصوات التي تغرق فيها سفينة العمر المشحونة ببقايا الرحلة. والمكتوب في العصر الرقمي ملفات مهجورة لا توقظها رنين الإشعارات التي تأتي في الغالب متأخرة، لكن أمل النجاة موجود في ابن يقرأ تاريخ الأم النائمة في غيبوبة هي علامة على غيبوبات موازية يغرق فيها مدعو اليقظة، والوباء يقترب من الجميع زاحفا على مجموعة (الفور إن) الأربعينية التي انتهى بها المطاف ما بين غرفة الإنعاش وانتظار الزهايمر وقرار الانفصال والاختناق في حصار الغربة.
تضع عزة رشاد يدها على مفاتيح الرواية التي اتخذت لها عنوانا من حقل الكتابة هو "بالحبر الطائر" إنه المداد الجديد الذي تحمله الشبكة العنكبوتية في سحب مفتوحة ومطوية، رسائل غير ورقية، يمكن تعديلها وحذفها وإغلاقها بكلمة سر، أو تركها عمدا لعل نفسا تنشد تذوق الوصل الإبداعي تلقاها، أو مصادفة لخروج الذات عن دائرة التواصل بعد أن أدت دورها في مكتوبها، والرسالة التي تبثها رواية "بالحبر الطائر" سيرة أم كانت فتاة جامعية في منتصف تسعينيات القرن العشرين، إنها تنتمي لمواليد السبعينيات، وحينما يجد الابن الملفات الرقمية ستكون الأم في غيبوبة نتيجة إصابة في حادثة سير مجهولة بمنطقة عشوائية، كانت الأم تحاول مساعدة بعض صاحبات الاحتياج كرسالة اجتماعية تسند وحدتها بعد انفصالها الاجتماعي عن الزوج، وابنعاد الابن في عالمه الخاص بعد أن التهمت الرقمية طقوس حياة باتت قديمة، وتنتهي الرواية والوباء ينتشر في عالم ينغلق، الأم في غرفة الإنعاش التي يحتاجها المصابون بأزمات التنفس، والزوج منصرف في محاولات إثبات وجود إبداعي غير مكتمل يدعمه بأهمية وهمية، والابن يستنطق مرويات أمه الرقمية في "جروب الفور إن" المجموعة التي أنشأتها الأم مستدعية سبعينيات فريق (الفور إم) لتلم شمل الصديقات الأربع اللاتي أخذهن الشتات بين الإسكندرية ومانهاتن وباريس ولندن.
تضم "مجموعة الفور إن" نعيمة صاحبة الفكرة، نعيمة الدكتورة المغتربة في عالم لم يعد لها فيه ما كان وقت الشباب والأحلام حتى قطتها خرجت ولم تعد مثل ابنها ناجي المقيم في شقة جده، ونجوى التي يزحف الزهايمر داخل خلايا رأسها في أمريكا وقد طعنتها ابنتها بالتمرد والانتماء التام لأرض الأحلام، ونادين التي فعل ابنها معها ما فعلته ابنة نجوى فأمرها زوجها بمغادرة باريس مع البنتين والعودة لمسقط الرأس، فأصبحت في مواجهة غير متكافئة مع ابنتيها الرافضتين لترك باريس، فتقرر الانفصال عن زوج تعالت عنده لدرجة غير محتملة ذكورية شرقية كانت كامنة، ونسمة التي عاشت أنثى غير مكتملة في منفاها الاختياري بلندن حتى أصبح السياق مستحيلا بتدخل الآخرين في حياتها وحرمان أسرتها لها من ميراثها فأصبح الرجوع للوطن ملاذا لمعركتها الأخيرة في استعادة الميراث.
الملفات الرقمية يطالعها ناجي ابن نعيمة، فيتابع الحياة الأخرى لأم لم يفكر في أن لديها ذاك المحصول من التجارب والمشاعر والسلوك الغريب فقد تزوجت الرجل الذي كانت تحبه صديقتها نجوى، وهو يحمل الاسم الأقرب للصديقة التي كانت أكثر الأربعة تطلعا لعالم أكثر حرية، الأم في النهاية شخصية رقمية، وكل ما يستطيع أن يعرفه عنها لا مكان له سوى ذاك الفضاء الأشبه بجراب الحاوي الذي لا تنتهي حمولته من المفاجآت المذهلة، ويشك الابن في تلك الشخصيات التي يقرأ رسائلها، ويسأل نفسه إن كانت أمه تتحدث عن عالم له مرجعيته أم تؤلف رواية مثل أبيه، ولكن الإشعارات تصله بينما الأم في الغيبوبة مرجحة حقيقة الشخصيات، وليست مؤكدة لها فالرواية قد تكون تأليفا جماعيا. الابن ناجي يستقبل رسالة أمه، بل رسائل جيل الأمهات، في لقاء رمزي ربما يصل منه لوقائع عالم يسخر من غيبوبته، تلك العلاقة السرية التي تفيض من الأم لتغمر الابن تذكرنا بالصورة الأخرى لها وهي رسالة الابن للأم في البحث عن الزمن المفقود لبروست حين يتعرض الطفل للقهر من الجد والأب فيصعد لغرفته دون أن يمنح أمه قبلة المساء التي يدرس أحاسيسها وتفاصيلها قبل أن يطبعها على وجهها في الموضع المحدد بدقة متناهية مستمدة من تجربة يومية مرسومة في ذهنه قبل أدائها، فيكتب رسالة لأمه لعل الخادم توصلها إليها، ويفرح أن بينه وبين أمه تلك الورقة الخاصة التي بث فيها مشاعره، في الصورتين الأم والابن، الأم عند بروست هي الإنسانية التي يمنحها الابن كلمته، وعند عزة رشاد هي الوجه الآخر للإنسانية فهي التي تمنح الابن مرويتها للتاريخ بما فيها من معرفة لا يمكن الحصول عليها إلا منها.
بنية الرواية خماسية تتحدث فيها النساء الأربع، كل واحدة بصوتها ورؤيتها، مستعيدة علاقاتها بالأخريات، ومتغلغلة في خصوصيات لم تتح للصديقات معرفتها من قبل، والصوت الخامس للابن ناجي، فهو الناجي من الأبناء مع استقلاله النسبي، ناجي هو الذي يدخل حساب أمه ويفتح ملفاتها في محاولة لفهم ما حدث لها في الأيام الأخيرة التي فارقها فيها، إن ما يطالعه الآخرون من كلامنا هو الناجي، هو الباقي الذي يسمح لنا بشغل مساحة في رؤية الأجيال الآتية في أفق الزمن. الأصوات الأربعة مثل أوتار الكمان، متوازية ومتضامة في تكوين واحد، ويكاد ناجي يشغل قوس الكمان الذي يتنقل بين الأوتار فنسمع منه أصواتها. واستطاعت الرواية أن تعالج فترة زمنية نسوية من البلوغ إلى الانقطاع دون أن تعلن عن ذلك مباشرة تاركة الاستنتاج للمتلقي الذي يفهم ما كان يفهمه الأستاذ "مستر ألفونس" وزوجه "أم مايكل" حين كانا يرعيان الفتيات في مطلع المراهقة، ولأن لكل قاعدة استثناء فقد كانت نسمة باسمها الخفيف ناقصة التكوين في هذا السياق، وكانت غربتها محاول لنجاة في مجتمع لندني غربي متوقعة أن يدعها وشأنها، فلم تجد إلا التدخل في حياتها من الغربي والشرقي معا. إن اختيار الأسماء لعبة رمزية في الدلالة الدرامية للسرد عند عزة رشاد، وثلاثية ناجية ونجوى وناجي توضح الارتباط بين الشخصيات مع المفارقة، فالنجاة للمكتوب فقط، وكأننا نتذكر قول جرير "يا أم ناجية السلام عليكم.. قبل الرواح وقبل لوم الغذل.. لو كنت أعلم أن آخر عهدكم.. يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل" لم يعرف أهل ناجية الجدة أنها ستموت عقب ولادة نجوى، ولم يعرف ناجي أن أمه لن يبقى منها سوى ملفات معلقة بين الواقع والخيال في عصر أمست فيه أسرارنا خارج حيز البيت الذي ضمنا، هناك في أفق رحب غامض لا ندري مصير مادته، نجوى لم تكن تحب اسمها برقته وهمسه، كانت تريد اسما يمنحها مساحة بعيدا عن همسات الآخرين لها وعنها، لكنها لم تصبح كما تشاء "علا أو علياء" فالدراما تغدق علامات التشكيل على الإبداع ببذخ إذا استطاع السياق استخدامها، ومن قبل كتبت عزة "احب نورا.. أكره نورهان" في انتماء لزمن كانت بساطة العلامات معادلة لسلاسة التفاعل اليومي، وفي "بالحبر الطائر" تهرب نورا من الأم وكأنها تخرج لسانها لزمن الأمهات باحثة عن صورة مغايرة لجيل نجوى.