23/08/2025
الوحدة...
ذلك الشعور الذي يتسلل إليك في صمت الليل، كأنه نسمة باردة تمر على قلبك العاري، فتتركه يرتجف من فراغ لا يُرى، لكنه يُحَسّ بكل شيء.
الوحدة ليست مجرد غياب الناس، بل غياب الدفء، غياب من يسمعك حين لا تقول شيئًا، من يقرأ حزنك من بين السطور، من يملأ صمتك بالحضور لا بالكلام. الوحدة أن تكون وسط الزحام، ولا أحد في الزحام يراك حقًا. أن تتكلم، ويصلك صدى صوتك فقط. أن تضحك، وتعرف في أعماقك أن لا أحد يشاركك تلك الضحكة بحق.
أحيانًا، الوحدة تأتي على مهل، لا تطرق الباب، بل تنام بجانبك، وتستيقظ معك، وترافقك إلى عملك، وتعود معك في المساء. وتصبح جزءًا من روتينك، حتى تظن أنها أنت.
لكن الوحدة أيضًا ليست دائمًا ظالمة. أحيانًا تكون صديقة هادئة، لا تُطالب بشيء، لا تُرهقك، فقط تمنحك مساحة لتتأمل، لتفكر، لتعرف نفسك بعيدًا عن صخب الآخرين. تمنحك صمتًا نقيًا، خاليًا من التكلّف. تعلّمك أن تكتفي، أن تبني جسرًا بينك وبين ذاتك.
ومع ذلك، يظل الإنسان كائنًا تواقًا للمشاركة، للعناق، للنظرة التي لا تُقال، ولكنها تُفهم. لا أحد يهرب من الوحدة، لكن لا أحد يتمنى أن يبقى فيها إلى الأبد. فالقلب، رغم كل شيء، خُلق ليُشارَك.
ربما أجمل ما في الوحدة أنها تُعلّمك قيمة الحضور. تجعل من اللقاء بعد الغياب حدثًا يشبه المعجزة، وتجعل من كلمة “أنا معك” دواءً يشفي من خيبة الأيام.
الوحدة ليست ضعفًا، لكنها تجربة. قد تكشف فيك شيئًا كنت تجهله. وقد تؤلم، لكنها تُنضج. قد تُبكيك، لكنها لا تكذب.
والوحدة، في النهاية، ليست شيئًا نخجل منه، بل شيء نفهم به أنفسنا… ونشتاق بفضله إلى الآخر، بصدق.