17/07/2026
وحدة سودان للدراسات النقدية
ورقة نقدية رقم 4
**قيامةُ الصبوة ومرآة الخراب**
قراءة نقدية جمالية في ديوان نداء السكون
للاستاذ محمد نجيب محمد علي
بقلم: فدوى سعد - القاهرة
تتحول القصيدة لدى محمد نجيب محمد على من "أداة تعبير" إلى مختبر إدراكي معرفي كبير جدآ يعيش فيه القارئ صدمة تفكك الهوية والوطن وجميع مراحل الحرب والدمار المكاني والنفسي وتحول الانسان السوداني من مجتمع مساحة مكانية معروفة بهويتها ،لانسان الشتات العظيم في جميع نواحي الارض وهو يحمل احمال ثقيلة من الالم. حين تمر الأوطان بلحظات التمزق والضياع التاريخي القاسي، تكف البلاغة المتداولة الهادئة عن الإيفاء بمتطلبات النص الشعري ؛ إذ تصبح الاستعارة عاجزة إن لم تتفجر مباشرة من تجربة الجسد المتالم والمتشظي جسديا وفكريا.
في ديوان نداء السكون للشاعر محمد نجيب محمد على ، لم اقف كقارئ أمام لغة واصفة للألم، بل أمام لغة هي عينها "الألم ذاته". يحس بين السطور ولحظات قلب الصفحات لقراءة الوجع قصيدة بعد قصيدة وبيت بعد بيت . في بعض الاحيان يصيبنا الندم اننا لم نقرا كتاب كان موجود في مكتبتنا منذ اكثر من عام واني من هؤلاء النادمين تكفير عن ذلك سا كتب بتعمق بكيقية اساسها ان الجمال اللغوى هو وسيلة مهمة لرفع الوعي الانساني والادراكي فالقصيدة خريطة ذهنية تلتحم فيها الانفعالات مع نبض الصورة وموسيقى الوجع الكامنة بين السطور وعمقها.
**الوطن كائن سائل/بضاعة تُنتهك
تجاوز الشاعر التعريفات الهلامية أو الأيديولوجية للوطن، فحوله في وعي المتلقي إلى "مادة " قابلة للكسر،للتقسيم ، المساومة، والبيع في أسواق النخاسة التاريخية، مما يثير في العقل استجابة رهيبة بالمهانة والخذلان الجسدي المباشر فجسد ذلك في قصيدة "الرؤى الحائرة"، ليتتعمق هذا الامتهان الصادم لـ "حيز المواطنة":
"أعرف أني تعبت
وأن بلادي ليست بلادي
تعرضني في المزاد"
لكن في قصيدة "رموز"، تحولت هذه الاستعارة المفاهيمية نفسها إلى قيد داخلي يلتهم الدم والفؤاد:
باعت فؤادي
مثل بلادي باعت دمي.
واشترتني أسيراً لديها
**جغرافيا الوجَع
تبين لي رفض محمد نجيب محمد على بقاء العاطفة في إطارها النفسي المجرد، فمنح الحزن "اتجاهاً حيزياً جغرافياً" (شمال وجنوب) يسير الجسد المطرود في دروبه، مما يحرك خيال القارئ الإدراكي لبناء خارطة بصرية للتيه والشتات والضياع ماكتب بعد الحرب سيظل مراة للمجتمع والزمان والمكان في صحف التاريخ ابيات قصيدة "بحث"، تتشكل تضاريس الاغتراب الحاد عبر تباعد الاتجاهات:
"نحن مذ جاءت لنا الحرب
افترقنا هو قد سار شمالا
وأنا كنت جنوب الحزن
أبحث عن فرح
لم اجد غير بكائي في يدي
** هندسة النص
رصد الشاعر قدرة الذهن البشري على الانتقال الفوري والديناميكي بين فضاءات زمانية ومكانية متناقضة كمحاولة نفسية ومعرفية لمعالجة الفقد العنيف والصدمة هنا يجبر النص المتلقي على العيش في حالتين إدراكيتين متضادتين: عالم الذاكرة المستقر المشحون بالمحسوسات الفطرية الطبيعية (شجر النيم، الطين، الأم زينب، الجد)، وعالم الحاضر العنيف الممتلئ بالخراب المادي الصادم (بركان الجوع، دماء الغربال، العمارات الجافة). في قصيدةاخرى ، يتشيد فضاء براءة المكان والطفولة كدرع إدراكي قد يحمي من التشظي الواقعي
"هذا أنا.. الولدُ البريُّ
الَّذِي لا يزالُ يسيرُ بأزقَّةِ أمِّ درمانَ القديمةِ
ويقْطَفُ ثمرةَ النِّيمِ..
سوى أن أعودَ طفلاً..
أنامُ على حِجْرِ أمِّي..
قبلَ أن يحلَّ الظَّلامُ،
وتأتيَ الحربُ..
لِتَسْرِقَ مِنَّا كلَّ شيءٍ جَميلٍ!"
لكن هذا الدرع يتحطم على صخرة الواقع الفظ في قصيدة "أناشيد فقراء الليل":
"كل اطفال بلادي الفقراء..
كلُّهم الا العمارات التي شقت الى كبد السماء،
وأضاءت عورة الجوعى،
وأنقاذ اليتامى
كانت الخرطوم غائبة،
تغازل عريها الليلي،
تفضحها الخطايا"
التصوف كفضاء تعويض بديل
عندما تضيق المساحة الأرضية بالشاعر، قد تحدث قفزة انتقالية روحية في "العالم النصي" نحو فضاء صوفي وغيبي بديل وقد كانت داخل ديوان نداء السكون باشكال متعددة (جنة القصائد، سدرة المنتهى، باب الصراط)، كآلية ذهنية تعويضية لإعادة بناء المثالية والأمان اللذين سحقتهما آلة الحرب ودمارها النفسي والجسدي: في قصيدة "معارج أحرفي"، نلمس هذا التسامي الإدراكي الحاد:
"سوف أدخل جنتي..
لأرى جحيم قصائدي
وأولد خارج الوقت هنالك حيث لا ظل يزاحم خطوتي..
كلا.. ولا دمع يعانق ضحكتي
وأذوب وجداً في معارج أحرفي.. وأقيم بين مآذن التهليل"
وفي قصيدة "أغنية حب أمدرمان"، تتماهى جغرافيا الماء مع جغرافيا البكاء الحسي:
"أخافُ أن أرى دُمُوعَ نِيلِنا
على شواطىء البكاءْ"
**رهاب الاحتجاز
يبث الشاعر في وعي القارئ متلازمة "الحصار" عبر مفردات ضيقة وخانقة تستثير عصبياً إدراك الرهاب والاحتجاز (أصفاد، مخنوق, كمت الفم)، محاكاة لعجز الإنسان داخل الوطن المستباح شواهد متفرقة تعزز هذا الاحتجاز (من قصائد: "وردة" و"أناشيد فقراء الليل" و"الأسئلة"):
"إذ قيَّدوا وجهي بأصفادِ اللَّهَبْ"
"كان الغول مختفيا.. كمت فمها
فصرخت من يديها"
والعصافيرُ مخنوقةٌ بالتعب"
**رومانسية الساحل وفجيعة الواقع؛
يستدعي الشاعر في بعض نصوصه لحظات العشق الصافية، والمليئة بالبراءة والجمال الطبيعي (الرمل، الجداول، الزهر) ، لكن هذه اللحظات الرومانسية لا تدوم، إذ سرعان ما يصطدم "ضوء القبل" بواقع سياسي أو اجتماعي مأزوم ومخادع. في قصيدة "ضوء القبل"، ينقلنا الشاعر إلى مناخ غرامي حالم:
"كنت اعشقها...
وأرسمها على رمل السواحل. ..
حين كنا نجمع الزهر
على ضوء القبل
لكن هذا الاندياح العاطفي ينكسر فجأة أمام "زوبعة الرياح الشريرة" واكتشاف أن زوارق الإلهام كانت تبحر في السراب. يمثل الحب في هنا مساحة "الحلم المجهض"؛ حيث تتدخل القوى الخارجية والظروف المحيطة لتخنق ضوء الكهف الساكن. وفي قصيدة "وردة"، يعاد إنتاج هذا الحلم الصباحي والقبلات المبعثرة كدرع رمزي تحرس به المحبوبة ذكريات البيت ضد "هوس من يعشقون التلصص والسرقة في جميع الامكنة والازمنة. ينتقل الديوان بالحب من طور المثالية إلى طور الواقعية السيكولوجية المعقدة. فالمحبوبة ليست دائماً ملاكاً، بل قد تتحول إلى مصدر للألم، والخذلان، والتناقض الوجداني الذي يمزق الشاعر. تبرز هذه الجدلية في "آهة ثانية"؛ حيث يعترف الشاعر بمرارة اللوعة والتناقض:
"الفتاة التي مزقتني
هي نفس الفتاة التي علمتني الكلام علمتني الغرام ...
وباعت فؤادي .
مثل بلادي"
تصبح الأنثى كائناً هلامياً مشاغبا يغرق الشاعر بالغرام ويسكره بالحنين المُر ، ثم تنكره وتفر. يربط الشاعر بشكل مذهل بين خيانة الحبيبة وخيانة البلاد ("باعت فؤادي.. مثل بلادي"). الغرام هنا يتحول إلى "أسر" واغتراب داخلي ، يعكس حالة التمزق والتشظي التي يعيشها الشاعر تجاه مجتمعه ووطنه .
رهاب الاحتجاز، والتمزق الذي عاناه الجسد والوطن في المحاور السابقة، لا يضع ديوان "نداء السكون" في جب العدمية، بل يفتح الشاعر بوابة "الخلاص الإدراكي"عبر بوابة الوجد العارم والتسامي الروحي، لتصبح قصيدة "من أجرى بصبوتها دمي" محطة القيامة العاطفية التي ينعتق فيها الشاعر من موته واغترابه، ليعيد التماهي مع وطنه كأغنية ولحن من عبَق.
عَانَقْتُهَا
فِي حَالَةِ النَّوْمِ الشُّرُودِ
لَمْ
أُصَدِّقْ أَنَّ لِي وَطَناً جَمِيلاً يُشْتَهَى
لَمْ
أُصَدِّقْ أَنَّنِي عَانَقْتُ أُغْنِيَةً تُغَازِلُنِي
وَلَحْناً
مِنْ عَبَق
وتصل الذروة استخدام الجمال للوعي في القصيدة عندما يصبح هذا العشق صرخة وجودية تُخرج الشاعر من حيز الفناء إلى حيز البقاء وقيامة القلب
قُلْتُ يَا سُبْحَانَ مَنْ أَجْرَى بِصَبْوَتِهَا دَمِي
فَأَفَقْتُ مِنْ مَوْتِي..
رَأَيْتُ قِيَامَةَ الدُّنْيَا
وَقَلْبِي فِي قِيَامَتِهَا عَلِقْ.
فدوى سعد/٤ يوليو2026