مشكاة فيها مصباح

Directions

مشكاة فيها مصباح إذا كنت لا تقرأ فالرجاء الرجاء إلغاء اعجابك و شكرا

غباوة  إذا وُصِف كائن ما، بشريٌّ كان أو غيره، بأنه نمطي، هذا يعني أنه ينشط في حياته وفق وتيرة واحدة، والنمطية في التفكير...
27/11/2023

غباوة

إذا وُصِف كائن ما، بشريٌّ كان أو غيره، بأنه نمطي، هذا يعني أنه ينشط في حياته وفق وتيرة واحدة، والنمطية في التفكير والسلوك مبعثها البيئةُ الصغرى، (الأسرة)، والمحيط المجتمعي الذي يؤثر في الفرد ويتأثر به، ومن أخطر الأمراض، النمطية والسكون والاجترار والمراوحة في المكان نفسه من دون أن يحصل تقدم ولو لخطوة واحدة نحو الأمام، فالمجتمع النمطي يمكن أن يتقدم ولكن حركته في التقدم تكون إلى الوراء، أي أنه يتقدم إلى الخلف، وبالتالي يزداد بلادةً وضموراً وتأخّرا.

ولو أننا استقصينا المعنى اللغوي لمفردة غَبَاوة كما ورد في معجم المعاني الجامع، فالغباوة اسم، مصدر غَبيَ، فإذا قيل، أَظْهَرَ غَبَاوَةً، أي بَلاَدَةً، جَهْلاً وَقِلَّةَ فِطْنَةٍ، وحين نقول يَا لَهَا مِنْ غَبَاوَةٍ، تعني، يَا لَهَا مِنْ غَفْلَةٍ، وفلانٌ ذو غباوة، أي تُخفى عليه الأمور، و غَبيَ، بمعنى غبِيَ عن الشيء، اغْبَ، غَبَاءً وغَبَاوةً، فهو غَبِيٌّ والجمع، أَغبياءُ.

إذاً البلادة هي وليدة الغباوة، وكلاهما يورثان الكائن النمطية في الفكر والتشابه الممل في الحركة، فالسكون والثبات والسبات، مفردات تحيل إلى النمطية في حياة الفرد والجماعة، بمعنى أن السكون والثبات إذا طبع تفكير الإنسان وسلوكه، فإنه سيكون نمطياً لا يميل إلى التجديد والتغيير، بل يمقت أي اتجاه أو محاولة تقوده الى التغيير أو تدفعه صوب التقدم من حالة أدنى إلى حالة أعلى، وهذا ينطبق على المجتمع أيضا إذا كانت مكوناته - الأفراد والجماعات- تميل إلى السكون والنمطية.

ولذلك يصف العلماء المختصون بعلم الاجتماع، المجتمعات النمطية، بأنها ثابتة قارّة ساكنة بطبيعة الحال، وهي بالطبع تتكون من أفراد وجماعات لا تتحلى بملَكة التغيير، ولا تذهب إلى التجديد ولا يوجد لديها أي اندفاع في هذا المنحى، بل ولا ترغب في تحديث حياتها، لذلك يبقى مثل هذا المجتمع يراوح في مكانه من حيث الوعي والفكر وطبيعة السلوك، حتى لو توافرت له جميع العوامل والعناصر التي تؤهله للتحديث والانتقال من الثبات والنمطية إلى التغيير والتحديث، والسبب وجود المعرقل الأقوى ألا وهو النمطية والبلادة.

وربما تنزع طبيعة بعض الكائنات للدعة والراحة، والميل إلى السكون، وإظهار كراهية لأي جهد كان، عقلي أو عضلي، لكن الوعي بالمشكلة المسماة بالغباوة والنمطية ينبغي أن تدفع بالإنسان إلى البحث عن البديل وضرب السائد من الأفكار والسلوكيات التي تنعدم فيها الحداثة، وقد وعتْ المجتمعات النازعة إلى التطور هذه الظاهرة، وخطورتها على السلوك الفردي والجمعي، وفهمت أن النمطية ستقتل روح الإبداع لدى الأفراد والجماعات أيضا، لهذا تحركت النخب في تلك المجتمعات نحو تحريك ملَكَة التغيير، لأنها أيقنت أن ضعف هذه الملكة أو غيابها، يعني ثبات المجتمع على وتيرة واحدة من الفكر والفعل، فالمطلوب إيجاد البديل الأفضل لكي تتجنب الأخطار التي تفرزها الغباوة والسكون.

التحذير المستدام من الارتخاء :
فكما ذكرنا فيما تقدّم، لا يصح الاستسلام للدعة والراحة، ولا يجوز تجنب التعب والمشقّة، ومن لا يعي ويصرّ على التغيير، سوف يكون فردا أو مجتمعا تقليديا قارّا وجامدا، وسيبقى يراوح في المكان نفسه والدرجة نفسها من الوعي والتفكير والسطحية، ولهذا لجأ قادة المجتمع إلى التغيير ليصبح ملكة تطبع سلوك المجتمع ككل، وليصبح مجتمعا متطورا ومواكبا لكل ما يستجد في مجالات الحياة كافة، بعد أن يغادر الحالة النمطية مما هو سائد من الحركة والفعل والتفكير.

وغالبا ما يأتي التحذير من النمطية كي يفهم الفرد أو الجماعة، خطورة الوضع على الراهن والقادم من طبيعة الحياة، ولابد أن يفهم الجميع بأن الفرد أو المجتمع التقليدي سوف يبقى متمسكا بنمط واحد من العيش، فتغيب عنه روح الإبداع كليّا، وتأخذ حياة المجتمع وتيرة واحدة تنطوي على الضمور والشكلية والكسل واللامبالاة، هنا لابد أن يتحرك الفرد وعموم القوم نحو التغيير، كونه السبيل الوحيد للارتقاء بطرائق العيش والتفكير، وهنالك سبل إجرائية عديدة للقيام بهذه المهمة وتنفيذها عملياً بأفضل ما يمكن، تحقيقا للنتائج المستهدَفة.

علما أن المسعى الفردي والجماعي للتغيير، غالبا ما ينطلق من رغبة ذاتية أولا، فالإنسان الذي لا يجد في نفسه رغبة للتغيير لن يتغير، وعلى العكس، فإن من يتحرك بحثا عن وسائل وأدوات وطرائق التغيير نحو الأحسن، سيجدها، وسوف تحيل حياته من الثبات والسبات إلى الحركية والإنتاج الأفضل، حتى النص القرآني الكريم ينص على هذا المعنى كما ورد في الآية الكريمة من سورة الرعد: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)، فإذا يكفّ العقل عن إيجاد الوسائل والبدائل المناسبة لمغادرة النمطية والغباوة المهيمنة على العقل، فلن يكون هناك أي تقدم للمجتمع.

مطلوب البحث عن سبل دقيقة لمواجهة السكون والمراوحة في النقطة ذاتها، وحتما هنا جملة من الخطوات في هذا المنحى، مع العلم أن هناك جملة من العقبات تعترض حياة الفرد والمجتمع وتمنعه من التغيير، أهمها غياب هذه الملكة أو ضعفها في الذات الفردية والجماعية، وبالتالي لا نجد رغبة نحو التحوّل من الثبات إلى الحركة، فيمضي المجتمع في طريقة عيش رتيبة روتينية مملة لا تنطوي على أي نسبة من التجديد والإبداع، ولابد أن يتحرك المعنيون (المؤسسات التربوية والثقافية والدينية وغيرها)، إلى درء خطر الغباوة والنمطية، ودفع الفرد والمجتمع إلى البحث عن سبل وطرائق التغيير، ومساعدته علة نبذ حالة الكسل والخمول التي تطبع شخصيته، وتجعله قادرا على التجديد ومتطلعا نحو حياة أكثر جمالية وتوازن.

إجراءات الالتحاق بالركب المتقدم:
في الخلاصة، هنالك إجراءات وخطوات من شأنها أن تساعد على التخلص من الغباوة التي تهيمن على الفرد والمجتمع، وتنتشله من النمطية، وتدفع به الى التغيير الجوهري النازع إلى التجديد وخلق فرص الحياة الأكثر حيوية وقدرة على تحريك ملَكات الإنسان ومواهبه وطاقاته، لتجعله فاعلا مبتكرا وقادرا على الاندفاع بقوة نحو منصة المعاصرة والتطور المستدام، ومن هذه المقترحات والخطوات التي تساعد على انتشال الفرد والمجتمع من الغباوة والنمطية ما يلي:

- علينا أن نبدأ بالإنسان طفلا في حاضنته التربوية الأصغر (الأسرة)، لنبذر في تربة عقله حب التطور وعدم الاستكانة لغباوة المحيط الاجتماعي وبلادته.

- لابد أن تكون هناك حملة لتأسيس الجمعيات والمنظمات الأهلية التي تأخذ على عاتقها، نشر الرغبة بالتجديد ومغادرة الأوضاع والأساليب النمطية.

- أن تقوم المؤسسات الحكومية المعنية بوضع برامج معدّة من لجان مختصة لتحفيز الفرد على التغيير والتجريب وفق أسلوب التدريج ووسائل الترغيب المناسبة.

- للمؤسسات الأهلية والمنظمات المدنية دور مهم في زرع روح التغيير وتنشيط ملكة التغيير لدى الأفراد، من خلال التخطيط والتنفيذ الجيد لبرامج تُعنى بهذا الأمر.

- أن يتحرك الفرد ذاتيا نحو التغيير ومغادرة النمطية والسكون، وليبدأ ذلك بتجارب صغيرة أولية وسيقطف ثمار التغيير في المدى القريب حتما.

- أن تصبح ملكة التغيير منهج حياة للمجتمع على نحو عام، ويمكن أن يتحقق هذا بإقامة حملات إعلامية ثقافية فنية تحث على روح الإبداع والتجريب وتحفّز على نبذ الارتخاء والخمول والبلادة.

- أن تتسم المبادرات الحكومية والأهلية الهادفة إلى زرع روح التغيير لدى الفرد، بالتحفيز والتشجيع المعنوي والعيني، لآن التحفيز شرط من شروط الإقبال على التجريب والتجديد.

في الختام نحن نعيش في عصر أسرع من (السرعة) نفسها، في كل مجالات الحياة، ومن لا يواكب هذه الحركة والتجديد والاندفاع المذهل نحو التغيير، سوف يسبقه الآخرون بمسافات بعيدة، يصعب عليه قطعها واللحاق بهم، فالصحيح أن تكون هنالك مواكبة جادة وحثيثة لجميع المستجدات والتطورات التي تسعى إليها وتجتازها الأمم المتقدمة، وما علينا سوى تحفيز الإرادة الجمعية وتهيئة السبل اللازمة، ومن ثم الانطلاق في أنشطة منتظمة متواصلة لرأب الصدع وردم الفجوة (العلمية) الفاصلة بيننا وبين الركب المتقدم.

موقف   الأندلسي من صورة الجنة والنار في الخطاب الدينييعتقدُ ابن رشد أن خطاب الشريعة يحملُ معنيينِ، معنى موجهٌ لعامةِ الن...
25/11/2023

موقف الأندلسي من صورة الجنة والنار في الخطاب الديني

يعتقدُ ابن رشد أن خطاب الشريعة يحملُ معنيينِ، معنى موجهٌ لعامةِ الناسِ وهو الظاهرُ الذي يفهم من أولِ قراءةٍ، ومعنى ثانٍ موجهٌ لخاصةِ الناس وهو الباطن الخفي الذي لا يفهم إلا من خلال التأويل. والمقصودُ بخاصة الناس هم أهل الحكمة من الفلاسفة.

لم يكُن لمحنةِ ابن رشد الأندلسي عنوانٌ واحدٌ، فهُو الفقيه والطبيب والفيلسوف والوزير الذي اجتمع الفقهاءُ في مسجد قرطبة ذات يومٍ لتكفيرهِ والنيلِ منهُ. تعددت أسبابُ الفتوى لكن القصد واحدٌ، وهو منعُ شخصيةٍ متنورةٍ من التفكير ومحاكمةُ الرأي والإجتهاد.

لقد كان ابن رشد ضحيةً لمواقفه السياسية في عهد دولة الموحدين واجتهاداتهِ الفقهية التي لم تكن تروقُ لفريقٍ من فُقهَاءِ الجمُودِ والتقليدِ.

لم تكن صُكُوكُ الإتهامِ بعيدةٌ عن رقابةِ هؤلاء، أغلبها موجودٌ في كتبه كرأيٍ واجتهادٍ من أجل مُقارعةِ الفكرةِ بالفكرةِ وردُهَا أو قبولها، لكن عقليةَ الجُمُودِ والإستبداد تُفضِلُ محاسبة الضمير والتفكير وممارسة الوصايةِ، وتوزيع تهم التكْفِيرِ وما يتبعها من أشكال العنف والترهيب.

من بين الأراءِ التي شكلت عنوانا لمحنة ابن رشد، موقفهُ من الجنة والنار، وما سمي بمشكلة الحشر والمعاد الأخروي.

نجدُ في الخطاب الديني إسهابا مفرطا في وصف الجنة وملذاتها والنار وعذابها، وهو أمر يبدو غريبا بالنظر لحجم الكتب والمؤلفات في ثراثنا الإسلامي التي تخصصت في أوصاف النعيم والعذاب، بحيثُ يصعب أن تحيط بالعدد الضخم لهذه المؤلفات التي تفنن أصحابها في وصف النعيم الجسماني والحسي الذي ينتظر أصحاب الجنة، وفي أنواع العذاب الذي ينتظر أهل النار.

الغرابة هنا ليست من الوصف، بل في أن القرآن الكريم، وهو النص الديني المؤسس في الإسلام، لم يخصص إلا بعض السور والآيات في وصف الجنة والنار بشكل عام دون تفاصيل دقيقة؛ على خلاف رجال الدين الذين حاولوا التفصيل والتدقيق في نعيم الجنة ووصفوا كل صغيرة أو كبيرة فيها، فكان خيالهم حقيقةً واسعاً لدرجةٍ لم يعد للقول “إن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت” من معنى، فجميعُ ما في الجنة ذكرهُ هؤلاءِ من مساحتها أو عدد أشجارها ومذاق خمرها وجمال نسائها وتفاصيل جسد حُورهَا، بل إن بعضهُم يصفها وكأنه تجول في غاباتها وقصورها.

المهمُ أن هذا الوصفَ لا زال يتغذى عليه الخطاب الديني المعاصرُ وخاصة الخطابُ الحركي والدعوي، الذي يستغِلُ الملذاتِ الحسية لإستقطَابِ المنتسبين لهُ، خاصةً من المحرُومينَ والمكبُوتينَ والمحبطين، في مجتمعٍ أغلبُ أفرادهِ مهمشون ومقصيون، وهو ما يلبي خيال وأحاسيس هؤلاءِ ويحققُ لهم ما عجزوا عن تحقيقه في حياتهم، عن طريق تأجيله إلى ما بعد الموت.

كما لا يخفى على الكثيرين ما يوفره ذلك من تجييش للناس ومشاعرهم، لأنه يخاطب فيهم الغرائز والعواطف. ولا يخفى أيضا أن هذا الخطاب من الركائز الأساسية في صناعة التطرف والمتطرفين، لأن القارئ أو المشاهد لخطب التطرف الديني يجدها تفيضُ بأوصافِ الجنة والنار وأهوال القبور، من أجل ترغيبِ البعض واستقطابُهُ أو ترهيبُ المخالفِ وتخويفهِ.

لقد وصل خطابُ التطرف الديني بأوصافِ الجنة والنار حدوداً غير معقولةٍ، تدلُ على حجم التخلفِ الذي أصبح عليه خطابنا الديني، الذي لا يريدُ كهنتهُ ومؤسساتهُ الكهنوتية تقدمهُ وتطورهُ ليصبح أداتاً للوعيِ ورقي الفرد والمجتمع.

إننا في حاجةٍ لتجديد خطابنا الديني عن طريق انفتاحهِ على مناهجٍ العلوم التجريبيةِ والإنسانية، من أجل تحريره من جموده وتكلسه المعرفي وطغيان الإجترار والتكرار والتقليد والخرافة عليه.

فيِ هذَا الإطارٍ، نستحضرُ فيلسوف قرطبة ومراكش، أبو الوليد ابن رشد الذي كان له موقف خاص من صورة الجنة والنار كما يقدمها الخطابُ الديني، وقد صاغ هذا الموقفَ من خلال رأيه في مشكلة المعاد أو الحشر الأخروي، وهي قضيةٌ اختلفَ حولها الفقهاء والفلاسفة في الإسلامِ إختلافاً شديداً، وصل بتكفير الفريق الأول للثاني.

تتلخصُ القضيةُ في أن رجال الدين يقولون بأن الحشر والعاد سيكون بالأجساد والأنفس، فعند موتِ الشخص يفنى جسدهُ في التراب لكن روحه تبقى، ليبعث من جديدٍ هذا الجسدُ مع روحه في العالم الأخروي، ويثاب الصالح منها بنعيمٍ حسِي في الجنة، كما يعاقبُ المقصرُ بعذابٍ حسي في النار.

الأمرُ الذي رفضهُ ابن رشد في كتابه تهافُتُ التهافُتِ، وقال: “الشرائعُ كلُها اتفقَتْ على وجُودٍ أُخروي بعدَ الموتِ، وإِنْ اختلفتْ في صِفَتِ ذلكَ الوجُودِ”[1] وهو هنا يتفق مع الأديان المختلفة أن البعث والآخرة أمر حق والإيمان به واجب لدى أهل الشرائع. لكن الأمر الجوهري هو اختلافهم في وصف الآخرة، أي في كيفية المعاذ وكيف يكون الحشر هل بالأجساد والأرواح معا؟ أم بواحد منها؟

من هنا يتأسس موقف ابن رشد من صورة الجنة والنار كما جاءت في الشريعة، حيث يعتمد على آليةِ التأويل، ومعناها صرفُ اللفظِ عن ظاهرِ معناهُ، بالإنتقالِ من المعنى السطحي والظاهرُ عند القراءة الأولى، إلى معنى أعمق وباطن يظهر بالتأويل اللفظ، لذلك يُعتبرُ التأويل قراءةٌ ثانيةٌ أو أكثرُ للنص، ما يفسر كثرة التأويلات والمعاني للنص الواحد ويفرز تعددا في الخطابات والمذاهب.

لكن، يجب أن يكون التأويل مبنيا على قواعد مضبوطةٌ، لذلك يقول ابن رشد: “وأن يٌتَأولَ لِذلِكَ أحسَنَ تأوِيلٍ”[2].

هكذا، اعتبر الفيلسوف أن نصوص الشريعة التي تكلمت عن الجنة والنار يجب تأويلها. في رأيه، يكون البعث بالعقل وليس حشراً للأجساد، فالخلود عنده خلودٌ عقليٌ، وليس جسمانيا وحسيا؛ وعلى أساس ذلك، لاوجود لجنة ولا نار حسية، بل أوصافهما في الشريعة مجردُ رموز لترغيب وترهيب الناس، من أجل تربية الناس وتقويم سلوكهم؛ وقد إختار الشرعُ خطاب الإستعارة والمجاز والوصف بأشياء محسوسة وجسمية، ليقرب خطابه للناس عامة بحسب مستوى فهم كل واحد.

الخطاب الديني، في نظر ابن رشد، موجه للجميع حيث قال: “والشرائعُ تقصِدُ تعليمَ الجمهُورِ عامةً، ومع هذا فلا نجدُ شريعةً من الشرائع إلا نبهت بما يخُصُ الحكماء”[3].

يعتقدُ ابن رشد من خلال هذا الكلام أن خطاب الشريعة يحملُ معنيينِ، معنى موجهٌ لعامةِ الناسِ وهو الظاهرُ الذي يفهم من أولِ قراءةٍ، ومعنى ثانٍ موجهٌ لخاصةِ الناس وهو الباطن الخفي الذي لا يفهم إلا من خلال التأويل. والمقصودُ بخاصة الناس هم أهل الحكمة من الفلاسفة.

لقد كان ابن رشد واضحا في موقفه من صورة الجنة والنار، فهي صورة تخاطب عامة الناس بشكلٍ فيه تبسيطٌ وتخييلٌ حسب فهمهم، فكان لا بد من التشبيه والتمثيل في المعاد ووصف الجنة بمحسوساتٍ واقعية عندهم ولذة معروفة لهم كالعسل والحليب والخمور وأنواع الفواكه والنساء الجميلات، إلخ؛ ووصف جهنم وعذابها المتنوع الأشكال بما هو معروف في حياتهم كالحراس والسلاسل والنار الحارقة والماء الساخن، إلخ.

هذه الطريقةُ في التعليم مطلوبةٌ، حسب ابن رشد، لتحفيز الناس على التحلي بالفضيلة والأخلاق الحسنة، وإلا كيف يمكن أن تمنع شخصا من سرقة غيره أو الكذب بغير تخويفهِ بأمور حسيةٍ معروفةٍ له؟ كذلك، كيف تحثُ الناس على فضائل الأخلاق دون تحفيزهم بمتع وملذات معروفة لهم؟ لذلك يقول ابن رشد: “ولذلك كان تمثيلُ المعادِ لهم بالأمور الجسمانية أفضلُ من تمثيلهِ بالأمور الروحانية كما قال سبحانه: “مثلُ الجنةِ التي وُعِدَ المتقُون تجري من تحتها الأنهار” [4] .

من هنا تظهرُ حاجتنا لإبن رشد من أجل فهم حقيقي لصورة الجنة والنار في الشريعة، فهي مجردُ تمثيل ومجاز لمعاد روحاني عقلي؛ فالسعادة والجنة هي تلك الدرجة التي تُقربُكَ من العقلِ الأول (الله) والتي تكتسبها عبر البحث العلمي والتأمل الفلسفي؛ أما الألمُ والنار، فهي النفوس التي بقيت مدنسة بالجسماني والشهواني في وجودها الدنيوي ولم تكتسب في الحياة علوما ولا فلسفة.

#المصادر:

- ابن رشد أبو الوليد، تهافت التهافت، تقديم صلاح الدين الهواري، 2003، بيروت، المكتبة العصرية، ص373

2- تهافت التهافت، م.ن. ص170

3- تهافت التهافت، م.ن. ص173

4- تهافت التهافت، م.ن. ص174

26/10/2022

ألا يوجد من يقدم محتوى و همه الوحيد هو النفع و الإفادة.. لا التفاعل و الشهرة ؟

إذا كنت لا تقرأ فالرجاء الرجاء إلغاء اعجابك و شكرا

كل الامم عرضت تاريخها الى النقد الا بني يعرب..كل الامم نزعت القداسة عن تراثها الا بني يعرب..كل الامم تتطلع الى مستقبل يق...
23/05/2021

كل الامم عرضت تاريخها الى النقد الا بني يعرب..
كل الامم نزعت القداسة عن تراثها الا بني يعرب..
كل الامم تتطلع الى مستقبل يقطع مع مساوئ ماضيها الا بني يعرب يرون مستقبلهم بعودة الماضي..
كل الامم ترى ان الدين لله والوطن للجميع الا بني يعرب..
كل الامم تجاوزت الفصل بين السياسة و الدين الا بني يعرب..
كل الامم تعشق الفنون و الثقافة و تحترم المراة الا بني يعرب يحرمون الفن ويؤسسون ثقافة القبور وغسل الموتى و تغليف المراة...
كل الشعوب تلد أجيالا جديدة، إلا نحن نلد آباءنا وأجدادنا وذلك بغرس طبائع آبائنا وأجدادنا بهم وحثهم ومطالبتهم بالتمسك بها والحفاظ عليها؛ ولذلك فشعوب العالم تتطور ونحن نتخلف...
((عبدالله القصيمي))

13/04/2021

ramadhane mobarak 🥰

we are sorry guys , we just were blocked from sharing

الشرق الأوسط وشمال إفريقيا… قَبولٌ بالتحديث ونأيٌ عن الحداثة!تشهد المنطقة التي تُعرف بالعربية تحولات جذرية على المستوى ا...
13/03/2021

الشرق الأوسط وشمال إفريقيا… قَبولٌ بالتحديث ونأيٌ عن الحداثة!

تشهد المنطقة التي تُعرف بالعربية تحولات جذرية على المستوى العمراني والتكنولوجي، خاصة في شبه الجزيرة العربية، بعد اكتشاف النفط…
تحولات كبيرة، رافقتها عمليات تحديثٌ، ما زال الكثيرون يعتقدون أنه… حداثة!

يرى عالم الاجتماع الفرنسي آلان تورين، أنه صار أسهل اليوم الفصل بين الحداثة والتحديث.

في الماضي، كان الاعتقاد السائد أن الدول الأكثر حداثة هي أكثرها أخذا بوسائل التحديث.

أما اليوم، فقد أصبح من الممكن لبلدان غير حداثية، أن تكون أكثر تحديثا من البلدان الأكثر تقدما في الحداثة.

لكن… ما الحداثة وما التحديث؟

عند البحث عن تعريف لمفهوم الحداثة، عادة ما يرتكز المفكرون على فكرتين أساسيتين: الثورة ضد التقليد ومركزية العقل.

فالحداثة نسقٌ من الانقطاعات التاريخية عن المراحل السابقة التي هيمنت فيها التقاليد والعقائد ذات الطابع الشمولي.

الحداثة رفضٌ للجمود والانغلاق، وقَبولٌ بالانفتاح والتفاعل من الثقافات الإنسانية…

الحداثةُ موقفٌ عقليّ تجاه مسألة المعرفة، وإزاء المناهج التي يستخدمها العقل للتوصل إلى معرفة ملموسة.

… والفصل بين الحداثة والتحديث، مدخلٌ منهجي لتعريف الحداثة بصورة علمية.

التحديث، في النهاية، ليس أكثر من مجرد جلبٍ للتقنية والاختراعات الحديثة وتوظيفها في الحياة الاجتماعية… دون أن تُحدث أي تغيير عقلي أو ذهني للإنسان من الكون والعالم.

التيارات الأصولية، مثلا، هي أيضا تستخدم التقنيات الحديثة، لكن دون أن تأخذ بالروح العلمية أو الفلسفية للتقنية (التقانة كما يسميها آخرون).

معنى ذلك… أن ما نعرفه من تطور في البنيات التحتية ومستويات الإنتاج والاستهلاك، لا يشكل سوى صورة لعملية التحديث.

التحديث قشورُ حداثة، وقد يكون حالة من الاستيراد المنظم لبعض مظاهرها مثل: السيارات، الطائرات، ثقافة الاستهلاك… إلخ.

بعبارة أخرى؛ التحديث مادي نلمسه على الأرض، بينما الحداثة فكريةٌ… ويجدر بهذه أن تسبق الأولى!

في التجربة “العربية”؛ أو في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، عملية التحديث تأخذ، وفق البعض، طابع المحاكاة الجوفاء لمظاهر المدنية في الغرب…

أي أن هذه المظاهر لا تنم في المنطقة عن حالة حداثية تنبثق من صميم المجتمع وتتكون في رحمه الحضاري.

في كتابه “الإسلام والحداثة”، يعطي المفكر الجزائري محمد أركون أمثلة عن ذلك من الخليج العربي ومن بلاده الجزائر، التي انخرطت منذ صبيحة الاستقلال في التحديث عن طريق استيراد المصانع والخبرات.

بالنسبة له، هذه ليست بحداثة. الحداثة كانت ممكنة فقط عن طريق بناء مختبرات في مجالات الفيزياء، الكيمياء والرياضيات.

ذات الموقف نشهده في بلدان الخليج العربي، التي تستورد مظاهر الحداثة المادية، حيث تكمن روح ديكارت، أديسون، غاليليو وغيرهم… هذه الروح العلمية هي التي تمثل جوهر الحداثة.

… ونحن بهذا المعنى، ننقل مظاهر هذه الروح لا روح العلم والمعرفة العلمية!

الذي يحدث في المنطقة صحيح أنه يوحي بتطورات مادية على المستوى العمراني والتكنولوجي… لكنها تظل مجهودات تحديثية، وليست عملا يروم إلى تأسيس الحداثة.

نحن لا نزال في فضاء عقلي يعود إلى القرون الوسطى، وهذا لوحده قد يعطينا فكرة عن وضعية المنطقة في علاقتها بالحداثة.

المجتمعات العربية الإسلامية تعرف، منذ زمن، مدًّا للفكر الأصولي… فكرٌ يحتفي بالموت مقابل الحياة، وحتى إن لم يكن بعضه متطرفا، إلا أنه يتميز بطابع الزهد في الدنيا التي يعتبرها جسرا إلى الآخرة التي تجسد الحياة الأبدية.

دول الخليج العربي مثالٌ جليّ عن الخلط بين التحديث والحداثة؛ إذ قليلا ما أدركت أن الحداثة تأتي أولا، ثم التحديث…

كما أسلفنا، التحولات المادية في المنطقة كانت شاملةً بعد اكتشاف النفط… لكنها كانت أكبر وأسرع من تلك الثقافية.

عائدات النفط، أدهى من ذلك، أسهمت في خلق ظاهرتي الدولة الريعية والحياة الاستهلاكية، وهما ظاهرتان تؤثران سلبا على أي مشروع نهضوي.

… هذا الخلط يجعل البعض يقبل بالتحديث (المادي) ويرفض الحداثة (الفكرية)؛ أي أنه يرفض العقلانية، الفردانية، الحرية، الديمقراطية، النزعة الوضعية… إلخ.

ما الذي يحول بيننا والحداثة إذن؟
يعتبر المفكر المغربي عبد الله العروي، أن الحداثة موجة كاسحة؛ قدر تاريخي لا راد له.

لكن المشكلة، بحسبه، أنها تواجه في المنطقة عوائق عدة، أهمها الاختيار التقليدي الواعي بذاته وأهدافه… ذلك الاختيار الذي ينكر الحداثة ويدينها ويعتبرها نشازا ومُروقا وجهالة ينبغي على روادها إعلان التوبة والعودة إلى الجادة أو الطريق المستقيم.

هذا العائق، في نظر العروي، تكمن صعوبة التخلص منه في إعادة إنتاجه لذاته باستمرار دون أي مراجعة أو نقد ذاتي.

ثمة عوائق أخرى، منها ما يرتبط بالثقافة السياسية التقليدية القائمة على الولاء وطاعة أولي الأمر، وما يرتبط بالمؤسسة الاجتماعية التقليدية، التي تكبل الفرد وتحول بينه وبين التحرر من أَسْر البنيات التقليدية كالقبيلة والأسرة التقليدية والشرف…

المصادر:
عبد المالك خلف التميمي، أكاديمي كويتي، عن كتابه “الحداثة والتحديث في دول الخليج العربي منذ منتصف القرن العشرين”؛
علي وطفة، أكاديمي سوري، عن مقاله: “مقاربات في مفهومي الحداثة وما بعد الحداثة”؛
محمد البهيج، باحث مغربي، عن مقاله: “الحداثة والتحديث في الفكر المغربي المعاصر”؛
نزهة صادق، باحثة مغربية، عن مقالها: “المجتمع العربي وجدلية الحداثة والتحديث”؛
كمال عبد اللطيف، أكاديمي مغربي، عن مقاله: “الحداثة والتحديث؛ نحو تعقل حالة الإخفاق”.

التأليف الإسلامي حول العلمانيةهل هو أمر طبيعي أن أغلب المؤلفات العربية المكتوبة عن العلمانية في آخر 40 سنة كتبها مؤلفون ...
12/03/2021

التأليف الإسلامي حول العلمانية

هل هو أمر طبيعي أن أغلب المؤلفات العربية المكتوبة عن العلمانية في آخر 40 سنة كتبها مؤلفون من أتباع التيار الديني المناهض للعلمانية (الإسلاميون)؟

ربما يكون أمرا طبيعيا، آخذين في عين الإعتبار جاذبية العلمانية وضرورتها التاريخية وتجلياتها المتزايدة في العالم العربي.

وربما حصل للإسلاميين مع العلمانية نفس ما حصل للقديس بولس مع المسيحية! فبعد أن كرس حياته لملاحقة المسيحيين ودحض أفكارهم، أصبح فجأة المؤمن الغيور بها وأهم مؤسسي المسيحية بعد أن طعّمها باللاهوت اليهودي المعقد المتشعب.

لقد بدأ الإسلاميون تأليفهم عن العلمانية كارهين لها، رافضين ومكفرين لأغلب أطروحاتها. ثم انتقلوا من الرفض التام الى الحوار، ثم من الحوار إلى تبني العلمانية المطعمة بالمرجعية الإسلامية، مقدمين علمانية تدافع عن سلطة الدين في السياسة والمجال العام بدلا من تحريره منهما.

هذه النقله البولسيه (نسبة إلى القديس بولس) لم تنجح في جعل أحد الإسلاميين الشخصية المؤسسة للعلمانية الإسلامية، لأن العلمانية هي “الحيادية الدينية”؛ وأي توصيف ديني للعلمانية هو نوع من الكوميديا السوداء مثله مثل الحديث عن لحوم نباتية أو استبداد ديمقراطي. ولأننا استثنائيون، فنحن لم نسمع من الآخرين حديثا مشابها حول علمانية بوذية أو علمانية كونفوشيوسية أو علمانية كاثوليكية وبروتستانتية.

من بين 70 كتابا عربيا عن العلمانية، هناك فقط 15 كتاب ألفها علمانيون أو باحثون محايدون. أما بقية كتب العلمانية، فقد ألفها إسلاميون.

قد تكون هذه ظاهرة استثنائية، لكن أحد أسبابها كان الخوف من الطرفين. خوف الإسلاميين من جاذبية الفكرة العلمانية، وخوف العلمانيين من التحدث عن العلمانية علنا وباسمها الصريح.

لهذا ظلت العلمانية العربية أسيرة كتابات خصومها وجبن أنصارها.

الكتاب التأسيسي للجدل الإسلاموي حول العلمانية كان الكتاب الضخم للسلفي سفر الحوالي (700 صفحة) عام 1982. وقد ظل الإسلاميون عيالا على هذا الكتاب وناقلين ومرددين لاطروحاته واقتباساته في أغلب مؤلفاتهم.

بعد المناظرة الشهيرة بين العلمانيين والإسلاميين سنة 1989، انفجرت الساحة الإسلامية بالكتب حول العلمانية: محمد عمارة، يوسف القرضاوي، محمد قطب، صلاح الصاوي، منير شفيق، فهمي هويدي، التلمساني، عماد الدين خليل …. إلخ.

كانت هذه مرحلة الرفض الإسلامي القطعي للعلمانية، وكان المفكرون العلمانيون إما يُقتلون (فودة) أو يُسكَتون أو يقدمون علمانية اعتذارية (زكريا) أو يعتذرون عن العلمانية (الجابري).

ظلت العلمانية العربية أسيرة كتابات خصومها وجبن أنصارها.

لهذا كان التأليف من طرف واحد ويحمل موقفا واحدا هو الرفض، حتى جاء عبد الوهاب المسيري ليقوم بدور القديس بولس بالنسبة للعلمانية العربية وليكون أول مفكر إسلامي ينادي بنوع من العلمانية الغامضة ذات المرجعية الدينية (العلمانية الجزئية).

ثم جاء محمد أركون لينادي بعلمانية معدلة غامضة قدر غموض علمانية المسيري وقدر غموض إسلامية أركون وأصوليته المضمره (ربط أركون الإصلاح بإعادة فهم وتفسير القرآن!)

ثم انفتح مجال التأليف حول العلمانية من قبل مثقفين آخرين يساريين وقوميين وليبراليين بعد أن اكتسبوا جرعة شجاعة من محاولات عزيز العظمة (العلمانية من منظور مختلف) وعادل ضاهر (الأسس الفلسفية للعلمانية) المنادين بعلمانية إنسانية صلبة وصريحة.

لكن، رغم كل هذا، لا يزال التأليف الكثيف عن العلمانية باللغة العربية تأليفا إسلامويا على يد إسلاميين حائرين مع العلمانية خوفا وطمعا.

ولا يزال الإسلاميون مأسورين بأفكار المسيري المشوهة حول العلمانية والحداثة الغربية، إذ أن كل أفكاره عبارة عن نقل مشوه لطروحات نقد الحداثة عند مدرسة فرانكفورت: هوركهايمر، هابرماس، ماركيوز.

ولا يزال العلمانيون العرب مترددين في التأليف حول العلمانية أو محلقين حول العموميات والتبريرات والمخاوف، بحيث أن بعض الإسلاميين المتعلمنين أكثر جرأة في طرحهم العلماني من بعض المتعلمنين العرب!

لقد خاف الإسلاميون من العلمانية وكتبوا عنها وتحدثوا وهاجموها وكرسوا لها معظم جهودهم حتى صارت رفيقتهم اليومية، وحتى تحولت هذه الرفقة إلى خليط من الكراهية الظاهرة والحب المضمر.

لكنه حب سادي لا ينتهي الا بذوبان شخصية المحبوب العلماني في المحب الإسلاموي بعد تخليه عن كل أطروحاته وقيمه.

“الأصولية” في الإسلام: هل فاجأ الغرب المجتمعات الإسلامية بالحداثة وأخطأ تقديره للوقت الذي تحتاجه؟ 5/5 (الأخير)إذا كان عل...
12/03/2021

“الأصولية” في الإسلام: هل فاجأ الغرب المجتمعات الإسلامية بالحداثة وأخطأ تقديره للوقت الذي تحتاجه؟ 5/5 (الأخير)

إذا كان على أوروبا أن تدخل عالم الحداثة تدريجيا خلال أزيد من 3 قرون، فإن محمد علي باشا، الذي عرف فيما بعد بمؤسس مصر الحديثة، حاول إخراج بلاده من التخلف والعزلة التي عاشتها ولاية من ولايات الدولة العثمانية، وإجراء هذا التحول إلى الحداثة، على تعقيده الشديد، فيما لا يزيد عن 40 سنة؛ فكان بذلك كمن أشهر ورقة الحرب في وجه المجتمع.

كان اليهود عام 1492 (التفاصيل في الجزء الثالث)، أوائل ضحايا النظام الجديد الذي كان يولد ببطء في الغرب، لدى المسيحيين على الخصوص (التفاصيل في الجزء الرابع)، أما الضحايا الآخرون، فقد كانوا المسلمين الذين فقدوا آخر موقع لهم في أوروبا. ومع ذلك فقد كان الإسلام بعد في عنفوانه، ولا يزال أعظم قوة عالمية خلال القرن الـ16.

نتابع إذن هذا الملف في جزئه الخامس والأخير، مع الأصولية كما تطورت في الإسلام، دائما، بالاعتماد على كتاب الباحثة البريطانية في علم الأديان المقارن، كارين أرمسترونغ، “معارك في سبيل الإله”.

على الرغم من سبيل التحديث الذي ذهبت فيه المجتمعات الإسلامية خلال القرن الـ16، فإنها لم تقدم على أي تغيير جذري، ولم تشارك في الفكر الثوري الذي بات السمة المميزة للثقافة الغربية.

في الواقع، كانت الدولة العثمانية تعبيرا سياسيا عن الروح المحافظة، واتسمت بإعادة تأكيد القيم الإسلامية كإشارة اعتزاز وافتخار إلى أن التاريخ الإسلامي قد عاد إلى طريقه الأصلي.

ومع أن المذهب السني، الذي يتبعه معظم المسلمين، كان الدين الرسمي للإمبراطورية العثمانية، وكان يسمح للفقهاء حينذاك بالاجتهاد، إلا أنه في مطلع العصر الحديث، سعى كثير من أهل السنة إلى الحفاظ على تقاليدهم.

استقر رأي هؤلاء على أنه لم تعد ثمة حاجة إلى مزيد من الأفكار المستقلة؛ فالإجابات قائمة، والشريعة الإسلامية نهج ثابت للمجتمع، والاجتهاد لم يعد ضروريا ولا مستحبا.

الحقيقة أن المسلمين لم يروا أن القانون الإلهي يمثل قيدا على حريتهم، بل إنهم في العبادة والشعائر، كانوا يرونه بمثابة تحقيق لمنطق الروح الأصيل والفطري الذي يقيم الصلة بينهم وبين القداسة.

لكن، بحلول القرن الـ18، أخذ عقد الدولة العثمانية ينفرط، فأدركت أنها لم تعد قادرة على مواجهة الدول الأوروبية، لا لأنها ضعفت سياسيا وحسب، وإنما لأن المجتمع الذي كان يتشكل في أوروبا كان فريدا وغير مسبوق.

كان المسلمون يرون الحداثة كقوة أجنبية غازية ترتبط ارتباطا وثيقا بالاستعمار والسيطرة الأجنبية. هكذا، عندما غزا نابليون بونابارت مصر عام 1798، كان يبدأ بذلك مرحلة جديدة من العلاقات بين الشرق والغرب.

حيثيات ظهور الأصولية في مصر كنموذج
حاول بونابارت أن يهادن المصريين بأنه ما جاء ليمس الدين، وكان يعرف ما يعنيه ذلك على خلفية عمل كبير قام به المستشرقون، لكن الفقهاء لم يصدقوه واعتبروا ذلك خداعا ومخاتلة.

الواقع أن هؤلاء لم يفهموا أصلا أفكار التنوير التي جاء بها، إنما قض مضجعهم احتمال خضوعهم لحكم “الكفار”

وإذا كان على أوروبا أن تدخل عالم الحداثة تدريجيا خلال أزيد من 3 قرون، فإن محمد علي باشا، الذي عرف فيما بعد بمؤسس مصر الحديثة، حاول إخراج بلاده من التخلف والعزلة التي عاشتها ولاية من ولايات الدولة العثمانية، وإجراء هذا التحول إلى الحداثة، على تعقيده الشديد، فيما لا يزيد عن 40 سنة؛ فكان بذلك كمن أشهر ورقة الحرب في وجه المجتمع!

لكن الراية التي كانت مرفوعة في أوروبا هي التجديد والابتكار، بينما معظم المصريين ما يزالون في قبضة الروح المحافظة. هكذا، لم يكن سبيل محمد علي إلى تحويل مصر إلى دولة حديثة هو التجديد، إنما كان محاكاة الغرب. كان ذلك بكل تأكيد، مناقضا لروح الحداثة.

الحقيقة أن أوروبا الحديثة كانت تعتبر مصدر إلهام مثير في مصر سبعينيات القرن الـ19، فكان يُنظر إليها باعتبارها موائمة للروح الإسلامية.

هذا الحماس تجلى بوضوح مثلا في كتابات رفاعة الطهطاوي، الذي كان من كبار معجبي محمد علي، ومن أوائل الطلاب الذين أرسلهم الأخير عام 1826 للدراسة في باريس.

الطهطاوي بهرته أفكار التنوير الأوروبية، ومع أنه سجل بعض التحفظات، إلا أنه وآخرون، حاولوا نشر هذه الأفكار في مصر.

على الجانب الآخر، ظهر رجل في القاهرة اسمه جمال الدين الأفغاني، عزم على تعليم العالم الإسلامي كيف يوحد صفوفه تحت راية الإسلام، وكيف يستعين بالدين في درء خطر الإمبريالية.

كان مثله مثل غيره من المفكرين الدينيين بعده، كمحمد عبده الذي صار مفتي الديار المصرية، يحاول أن يثبت أن إيمانه كان عقلانيا وعلميا.

لكن مواقفه بدت غير متسقة؛ حسب القراءة التي تقدمها الباحثة البريطانية في علم الأديان المقارن، كارين أرمسترونغ، في كتابها “معارك في سبيل الإله”؛ شأنه في ذلك شأن أي مصلح، حيث حاول أن يجعل منطق الروح الذي يستند إليه الدين يبدو في صورة منطق العقل، فواجه مخاطرة تتمثل في تقديم خطاب ديني ناقص وخطاب علمي غير صحيح.

بعد ذلك، أدى الاحتلال البريطاني إلى إيجاد صدوع جديدة داخل المجتمع المصري؛ حيث بدأت مظاهر التحديث تنجلي من تعويض للتعليم الديني بالتعليم الغربي، والمحاكم الشرعية بالمحاكم المدنية، وغير ذلك من الإجراءات، حتى برزت طبقة جديدة من الموظفين والمثقفين.

حينها، بدا أن المصريين يشعرون بالاغتراب عن بعضهم البعض، حيث إن الذين اكتسبوا النمط الغربي منهم، اعتبروا من طرف البعض الآخر كمغتربين عن ثقافتهم الأصيلة.

إلى هذا الوقت، لم تكن قد تطورت أي حركة أصولية بعد في مصر، ثم حدث ذات يوم أن جاء مدرس شاب بأفكار جديدة نشرها بين الأفراد العاديين، وحول تلك الأفكار إلى حركة جماهيرية. هذا المدرس هو حسن البنا، مؤسس حركة الإخوان المسلمين في مصر.

كان حسن البنا يرى أن الإسلام ليس مجرد قائمة تعليمات، بل هو أسلوب كلي للحياة، إذا عاشها الإنسان بإخلاص، فإنها ستعود عليه بالدينامية التي امتلكها المسلمون لمدة طويلة قبل أن يستعمرهم الأجانب.

الحقيقة أن البنا، رغم أنه كان في العشرينات من عمره، إلا أن تأثيره كان كبيرا، وكان ينظم مع أصدقائه خطبا دينية، يقول فيها إن فقدان توازنهم يرجع إلى تأثير الغرب والتغييرات السياسية الحديثة.

ثم ذات مساء من عام 1928، جاء إلى البنا ستة عمال وأخبروه أن عليهم التحول من الأقوال إلى الأفعال… في تلك الليلة، ولدت جمعية “الإخوان المسلمين“، وأقسم البنا مع هؤلاء أن يكونوا “جندا في سبيل رسالة الإسلام”.

من هذه البداية التي قد تكون صغيرة، نمت الحركة وانتشرت… على أن البنا لم يقصد، ربما، أن تتوجه جماعته نحو العنف أو الراديكالية، لكن الحركة ذهبت بعد تأسيسها في اتجاه كان فارقا في تاريخ مصر الحديث، وفي دول أخرى من دول المنطقة.

توجه عنيف ودموي تطرقنا له في مرايانا من خلال ملف من 11 جزءا عن حركة الإخوان المسلمين منذ النشأة حتى مختلف التحولات التي عرفتها. يمكن مطالعة الملف على صفحتنا.

“الأصولية” في المسيحية: حين تنتصب الديمقراطية عائقا! 5/4في أواخر السبعينيات، أدرك الأصوليون في الولايات المتحدة أن عليهم...
12/03/2021

“الأصولية” في المسيحية: حين تنتصب الديمقراطية عائقا! 5/4

في أواخر السبعينيات، أدرك الأصوليون في الولايات المتحدة أن عليهم أن يكونوا نشطاء سياسيا بدلا من الانسحاب من المجتمع، لكن السياسة الحديثة تعني تقديم التنازلات والصراع على السلطة يقتضي المقايضة والتسليم الجزئي للأعداء، وهذا ما لم يستقيم مع رؤية دينية ترى أن بعض المبادئ لا تنتهك حرمتها، ومن ثم، يستحيل التفاوض بشأنها.

في وقت كان فيه اليهود، كما رأينا في الجزء الثالث، يحاولون مواجهة عواقب طردهم من إسبانيا، كان المسيحيون في الغرب قد بدؤوا السير في طريق انتهى بعيدا عن ثوابت اليقين ومقدسات العالم القديم.

نتابع إذن هذا الملف في جزئه الرابع، مع الأصولية كما تطورت في المسيحية، دائما، بالاعتماد على كتاب الباحثة البريطانية في علم الأديان المقارن، كارين أرمسترونغ، “معارك في سبيل الإله”.

ما إن حل القرن السادس عشر حتى كانت مجموعة من العوامل قد تضافرت في أوروبا أولا ثم في المستعمرات الأمريكية ثانيا، لتغير من أساليب تفكير الناس وإحساسهم بالدنيا.

حدث ذلك التغيير تدريجيا، بل ودون أن يلحظه أحد في حالات كثيرة، فكانت الاختراعات والابتكارات تظهر في نفس الوقت في ميادين كثيرة ومختلفة.

كانت جميع هذه المكتشفات تتميز بالروح العلمية البراغماتية التي عملت على التقويض البطيء لمنطق الروح القديم، فهيأت أعدادا متزايدة من الناس لتقبل أفكار جديدة عن الرب والدين والدولة والفرد والمجتمع.

لم يكن يبدو أن لهذه المكتشفات دور حاسم حينذاك، لكن آثارها التراكمية هي التي حسمت القضية. بعبارة أخرى، لم يكن أي من هذه التطورات حاسما في ذاته، لكنها مجتمعة كانت ذات تأثير ثوري.

عندما أدى ترشيد المجتمع وأخذه بأسباب التكنولوجيا إلى الانقلاب الصناعي في القرن التاسع عشر، كانت ثقة الغربيين قد ازدادت في استمرار التقدم… ازدادت إلى الحد الذي جعلهم لا يلتفتون إلى الماضي طلبا للإلهام، بل صاروا يرون الحياة في صورة تقدم نحو إنجازات أكبر وأعظم في المستقبل.

تمكن العمال من القراءة والكتابة، وأدرجت الجماعات التي كانت معزولة ومهمشة في تيار الثقافة الرئيسي، ما يعني زيادة مطالبتهم بمشاركة أكبر في عمليات اتخاذ القرار في مجتمعاتهم، وبالتالي… ضرورة زيادة الطابع الديمقراطي للحكم.

لكن حركات الإصلاح في مطلع الفترة الحديثة، كانت تدل على أن الأوروبيين كانوا ما يزالون ينتمون إلى الروح المحافظة، على الرغم من أن عملية التحديث كانت قد قطعت شوطا كبيرا قبل ذلك.

كان كل من المصلحين، مارتن لوثر وجون كالفن وهالدريتش زفنجلي، ينظر إلى الخلف باسم العودة إلى المنبع؛ أي إلى المصادر الأولى للتقاليد المسيحية. لكن على الرغم من عمق الدافع الديني للإصلاح، فإنه كان من عوامل التحول العلماني.

ما كان يدعو إليه هؤلاء، لم يكن ليتحقق لو لم تكن الطباعة قد اخترعت، فأصبح من الممكن لكل مسيحي أن يمتلك نسخة من الكتاب المقدس، وإن لم تكن القراءة والكتابة قد انتشرتا آنذاك، فاستطاع الكثيرون قراءته دون وساطة.

ثم… حين أتى العالم البولندي كوبرنيكوس، أعطى ضربة قاصمة للفكرة الأسطورية القديمة التي تقول إن الأرض هي مركز الكون، فأحدث ثورة جعلت من المستحيل أن يثق البشر في مدركاتهم الحسية بالأسلوب القديم.

ومع ذلك، من المفارقات العجيبة أنه في زمن ظهر فيه كانط، انفجر الهوس الديني ممثلا في ما سمي بـ”جنون الساحرات”… هكذا، احتاج الغرب لأكثر من قرنين من العنف، ليشهد نشأة نظام اجتماعي أكثر عدالة وتسامحا.

العقلانية العلمية كمصدر لما حققه الغرب من قوة ونجاح، قوضت منطق الروح… العقل وحده لم يكن ليتصدى للأسئلة النهائية، حتى إن عالم النفس فرويد، اكتشف بعد ذلك أنه قد صار للبشر دافع إلى الموت لا يقل عن الرغبة الجنسية.

البروتستانتية المحافظة كمثال للأصولية في الولايات المتحدة
مع مطلع القرن العشرين، شعر المحافظون بضرورة مجابهة الخطر الليبرالي، ثم في عام 1910، أصدرت جماعة المشيخانيين (الأسقفيين) قائمة تعاليم خمسة رأوا أنها أساسية، وهي: عصمة الكتاب المقدس، الميلاد العذري للمسيح، تكفير المسيح عن الخطايا البشرية على الصليب، بعثه الجسدي، الحقيقة الموضوعية لمعجزاته.

بعد ذلك، قام المليونيران ليمان وميلتون ستيورات، اللذان أسسا كلية لوس أنجليس لمجابهة “النقد الأعلى للإنجيل” عام 1911، بتمويل مشروع لتعليم المؤمنين المبادئ المركزية للعقيدة.

ثم أصدرا في غضون ذلك سلسلة من اثني عشر كتيبا تحت عنوان “أصوليات”، وتم توزيع حوالي 3 ملايين نسخة من كل كتيب. هذا المشروع اكتسب فيما بعد أهميته الرمزية، حيث سينظر إليه الأصوليون على أنه البذرة الأولى لحركتهم.

بكل تأكيد، أثارت الحربان العالميتان بعض الشكوك فيما بلغه الغرب الحداثي، لكن سنوات الستينيات كانت فارقة أكثر باندلاع ثورة جنسية ومنح الحقوق لسود البشرة والنساء.

على خلاف الإسلاميين، كان عدو البروتستانت الأمريكيين داخلي. على مر السنين، أصبح التوجه الإنساني العلماني لفظا فضفاضا، أو “سلة” يلقي فيها الأصوليون بأية قيمة أو معتقد لا يجد منهم القبول.

هكذا، دأب الأصوليون لمدة أربعين عاما على خلق عالمهم المنفصل الرافض لتوجهات العلمانيين والمسيحيين الليبرالية الحداثية.

لكن… في الولايات المتحدة، كانت الديمقراطية مؤسسة تأسيسا راسخا، وكان باستطاعتهم الجهر بآرائهم بحرية دون خشية القمع، وأيضا استعمال المؤسسات الديمقراطية من أجل دعم قضيتهم.

في أواخر السبعينيات، أدرك الأصوليون أن عليهم أن يكونوا نشطاء سياسيا بدلا من الانسحاب من المجتمع، كما كانت سياستهم قبل ذلك، وشعروا أن لديهم فرصة التأثير ووضع أمريكا على المسار القويم.

أصبح من الواضح أنه بإمكانهم تعبئة جماهير من الناخبين الإنجيليين بشأن قضايا مثل قيم الأسرة، الإجهاض، والتعليم الديني.

لكن السياسة الحديثة تعني تقديم التنازلات؛ فلا يمكن للسياسات والقرارات المطلقة النجاح في سياق ديمقراطي، حيث يقتضي الصراع على السلطة المقايضة والتسليم الجزئي للأعداء… لا يستقيم هذا التوافق مع رؤية دينية ترى أن بعض المبادئ لا تنتهك حرمتها، ومن ثم، يستحيل التفاوض بشأنها.

هكذا، كانت بعض الحلول التي دُفع إليها الأصوليون، تعني هزيمة الدين نفسه.

ومع ذلك، بدا أن الأصوليين الأمريكيين على درجة أكبر من التحكم بالنفس وإطاعة القانون؛ ذلك أنهم لم يقوموا باغتيال رؤساء جمهوريتهم ولم يقودوا ثورات أو يحتفظوا برهائن.

في الجزء الخامس والأخير نتابع الملف مع الأصولية في الإسلام.

Address

London

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when مشكاة فيها مصباح posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share