13/03/2026
هذا المشروع يعيد طرح السؤال القديم بلغة جديدة: ليس فقط هل اللّٰه موجود، بل أي صورة من صور اللّٰه هي التي نتحدث عنها عندما نقول
"الله"؟
وربما هنا تكمن أهمية هذه السلسلة؛ فهي لا تقدم يقينًا مريحًا، بل تقدم رحلة فكرية عميقة في أكثر الأسئلة التي شغلت الإنسان منذ بداية التاريخ.
فمنذ القدم لم يكن سؤال الإنسان الأكبر هو كيف يعيش، بل مع من يعيش هذا الكون: هل ثمة إله يدبّر العالم؟ وإذا كان موجودًا، فما طبيعته؟ هل هو إله الرحمة، أم إله العدل، أم إله الفلاسفة المجرد، أم إله الفقهاء المشرّع للأحكام؟ أم أننا أمام صور متعددة للإله صنعتها العقول البشرية عبر التاريخ؟ هذه الأسئلة هي جوهر واحدة من أكثر المغامرات الفكرية جرأة في الثقافة العربية المعاصرة، وهي سلسلة "البحث عن الإله" التي صدرت عن دار أبكالو بإشراف الأستاذ محمد رسول. إنها يست مجموعة كتب تقليدية عن الإيمان أو اللاهوت، بل مشروع فكري يحاول تفكيك الصور المختلفة للإله في النص الديني والفلسفة والفقه والتاريخ، وكشف التوترات العميقة بينها.
تتكون السلسلة من ستة كتب، وكل كتاب يفتح نافذة على تصور مختلف للإله. يبدأ المشروع بكتاب "إله القرآن" للمفكر والباحث في الدراسات القرآنية جبرئيل سعيد رينولدز، الذي يدرس صورة اللّه في القرآن بوصفها واحدة من أكثر الصور اللاهوتية كثافة وعمقًا في تاريخ النصوص الدينية.
فالقرآن يتحدث عن اللّٰه في مئات المواضع، ويقدّم تصورًا ديناميكيًا لعلاقة الخالق بالعالم والتاريخ والإنسان. لكن السؤال الذي يطرحه رينولدز ليس بسيطًا: هل الإله القرآني هو نفسه الإله الذي صاغه الفقهاء والمتكلمون لاحقًا؟ أم أن التأويلات التاريخية أعادت تشكيل هذه الصورة بطرق مختلفة؟ يناقش رينولدز هذه الأسئلة ضمن سياق تاريخ الأديان المقارن، وهو حقل أكاديمي واسع يدرس العلاقة بين النص القرآني والبيئات الدينية السابقة عليه.
لكن السلسلة لا تتوقف عند حدود النص. فسرعان ما تنتقل إلى واحدة من أكثر القضايا الفلسفية إثارة للجدل في تاريخ الفكر الديني: مشكلة الشر. في كتاب "إله الشر" يطرح محمد رسول سؤالًا ظل يطارد الفلاسفة واللاهوتيين منذ آلاف السنين: إذا كان اللّٰه كلي القدرة وكلي الخير، فلماذا يوجد الشر في العالم؟ هذا السؤال الذي ناقشه فلاسفة كبار من أفلاطون إلى لايبنتز إلى الفلسفة التحليلية الحديثة، يُعد أحد أعقد مسائل فلسفة الدين.
غير أن الكتاب يذهب أبعد من الصيغة التقليدية للمشكلة؛ فهو يبحث في العلاقة بين اللّٰه والشر داخل النص القرآني نفسه، ويتساءل: هل الشر مجرد غياب للخير كما قالت بعض الفلسفات، أم أنه جزء من النظام الكوني الذي يسمح بوجوده؟ وهل الشيطان قوة مستقلة أم جزء من نظام إلهي أكبر؟ إن طرح هذه الأسئلة يعيد فتح نقاشات قديمة حول القضاء الإلهي، الحرية الإنسانية، وطبيعة الشر في الكون.
بعد ذلك ينتقل المشروع إلى الفلسفة نفسها. فالفيلسوف البريطاني أنتوني كيني, أحد أبرز فلاسفة الدين المعاصرين، يظهر في السلسلة بكتابين مهمين. الأول هو "إله الفلاسفة"، حيث يتتبع تطور فكرة اللّٰه في تاريخ الفلسفة الغربية منذ أرسطو حتى الفلسفة الحديثة. ففي فلسفة أرسطو كان اللّٰه "المحرّك الأول" الذي يفسر حركة الكون دون أن يتدخل فيه مباشرة، بينما تحول في اللاهوت المسيحي إلى إله شخصي خالق ومدبر للعالم. ثم جاءت الفلسفة الحديثة لتطرح أسئلة جديدة حول الصفات الإلهية مثل القدرة المطلقة والعلم المطلق. هذه القضايا هي قلب فلسفة الدين المعاصرة، كما توضح الموسوعة الفلسفية لجامعة ستانفورد.
لكن المفارقة التي يكشفها كيني أن إله الفلاسفة ليس بالضرورة هو إله الدين. فغالبًا ما يكون مجرد مبدأ ميتافيزيقي أو عقل كوني أو ضرورة وجودية، لا الإله الشخصي الذي يتدخل في التاريخ ويخاطب البشر. ومن هنا يأتي كتابه الثاني في السلسلة "الإله المجهول"، حيث يعترف كيني بأن الفلاسفة، رغم قرون من التحليل العقلي، لم يتمكنوا من تقديم مفهوم واضح متماسك للإله. بل إن محاولة تعريف اللّٰه بصفات مثل القدرة المطلقة والعلم بالمستقبل أدت أحيانًا إلى تناقضات فلسفية عميقة، ما دفع كيني في نهاية المطاف إلى موقف لا أدري بشأن إمكانية معرفة اللّٰه معرفة عقلية يقينية.
ثم تنتقل السلسة إلى المجال الذي تشكل فيه الدين عمليًا في حياة الناس، وهو الفقه. ففي كتاب "إله الفقهاء" لأحمد الكناني، تظهر صورة مختلفة تمامًا للإله. فالإله هنا ليس موضوعًا للتأمل الفلسفي بل مصدرًا لتشريع والسلطة الدينية. إنه الإله الذي تُبنى باسمه القوانين والحدود والفتاوى، والذي يحضر في تفاصيل الحياة اليومية للمجتمع. لكن هذا بطرح سؤالًا حساسًا: هل الإله الذي يتحدث عنه الفقهاء هو نفسه الإله الذي يتحدث عنه القرآن؟ أم أن الفقه، بوصفه نظامًا قانونيًا تاريخيًا، أعاد تشكيل صورة اللّٰه
بما يتناسب مع حاجات السلطة الدينية والاجتماعية؟
أما الكتاب السادس "إله العدل" للمفكر الباكستاني داوود رهبر، فيعيد فتح أحد أقدم الصراعات في علم الكلام الإسلامي: مسألة العدل الإلهي.
فقد كان السؤال عن عدل اللّٰه محورًا أساسيًا في الجدل بين المعتزلة والأشاعرة، وهو جدل لم يكن نظريًا فحسب، بل كان يتعلق بمسائل عميقة مثل الحرية الإنسانية، والقضاء والقدر، ومسؤولية الإنسان عن أفعاله. يرى رهبر أن فهم اللّٰه لا يمكن أن ينفصل عن مفهوم العدالة، لأن فكرة الإله في الأديان التوحيدية ترتبط دائمًا بسؤال أخلاقي: هل الكون عادل؟ وإذا كان اللّٰه عادلًا، فلماذا يبدو العالم أحيانًا مليئًا بالظلم؟
هكذا تكشف سلسلة "البحث عن الإله" شيئًا قد يبدو صادمًا للكثيرين:
أن فكرة اللّٰه في التاريخ الإنساني لم تكن واحدة ثابتة، بل تعددت صورها بتعدد الحقول المعرفية التي تناولتها. فهناك إله القرآن، وإله الفقهاء، وإله الفلاسفة، وإله العدل، وإله الشر، بل وحتى الإله المجهول الذي يعترف العقل بعجزه عن تحديده. إن هذه السلسلة لا تحاول تقديم إجابة نهائية عن اللّه، بل تفتح باب السؤال من جديد، وتدعو القارئ إلى مواجهة واحدة من أعمق قضايا الفكر الإنساني بشجاعة فكرية وفضول معرفي.