19/08/2025
رحلة النسيان
في أعماق كلّ إنسان مقاطع موسيقية لم تكتمل، وذكريات مرّت كالسيوف على القلب، فتركت فيه ندوبًا يصعب التئامها. هناك في زوايا الروح تتكدّس لحظاتٌ تتأرجح بين ألمٍ ودمعة، بين خيبةٍ وانكسار. غير أنّ رحلة الحياة لم تُخلق لتوقفنا عند حافة الماضي، بل لتدفعنا إلى الأمام، حيث يلوح الأمل كغيمةٍ بيضاء في سماء صافية.
النسيان ليس هروبًا ولا جحودًا، بل هو فنّ إعادة التوازن، ومهارةُ أن نختار أيّ الصفحات نطوي، وأيّها نتركها عبرةً على رفّ التجارب. إنّه انعتاقٌ من قيودٍ لا تستحق أن نحملها على ظهورنا عمرًا بأكمله. فالألم، مهما طال، لا يملك أن يُطفئ نور الحياة في داخلنا ما دمنا نؤمن أنّ كل فجرٍ جديد يُسقط جزءًا من غبار الأمس.
رحلة النسيان شاقة، لكنها ضرورية. هي أشبه بصعود جبلٍ شاهق، تتعثر فيه خطواتنا، وتنهك أنفاسنا، لكنّ القمة هناك تنتظر، بأفقٍ أوسع، وبهواءٍ أنقى. ومع كلّ خطوة إلى الأمام، يضعف ثقل الماضي حتى يصبح مجرد ذكرى بعيدة، نتذكّرها ببرود، لا بدموع.
وفي المقابل، يمدّ الأمل يده إلينا في كلّ محطة. الأمل ليس وهمًا، بل طاقة خفية تشحن قلوبنا لتقول: "لا يزال الغد في انتظارك." فكما يذبل ورد الأمس ليمنح مكانًا لزهور اليوم، كذلك يذبل الألم ليمنحنا فرصة للابتسام من جديد.
والحكمة كلّ الحكمة أن نتعلّم من الأمس دون أن نحيا فيه، أن نُصلّي للحاضر بكلّ ما فيه، وأن نؤمن بالغد مهما بدا بعيدًا. فما خسرناه لم يكن إلا درسًا، وما كسرنا بالأمس لم يكن إلا تمهيدًا لبناء أقوى اليوم.
أيها القارئ، تذكّر أنّك لست أسير جرحٍ مضى، ولا سجين ذاكرةٍ أرهقتك. الماضي انتهى لحظة انتهى، ولن يستعيدك مهما تشبّثت به. أما المستقبل، فهو ينتظرك بوجهٍ باسم، كصفحةٍ بيضاء تملك أنت وحدك أن تخطّ عليها ما تشاء.
امضِ بخطواتٍ ثابتة، واترك خلفك ما أثقل قلبك، وتذكّر: النسيان قوة، والأمل حياة، وأنت أقوى مما يظنّ حزنك.