30/07/2026
(نُشر هذا المقال أول مرة عام 2019م في مجلة "وفاق المدارس العربية"، ويُعاد نشره هنا بعد مراجعته وتحديث بعض بياناته في ضوء ما استجد من تطورات هذا المشروع العلمي المبارك.)
مشروع "المدوَّنة الجامعة"
إضافةٌ نوعيةٌ ومبتكرةٌ إلى مكتبة تدوين الحديث النبوي على امتداد تاريخها المجيد
بقلم
عبد الوهاب سلطان الدِّيروي
(أستاذ بدارالعلوم كراتشي)
ما برح علماء الهند وباكستان في شبه القارة الهندية يضطلعون بدور رائد في إثراء مكتبة الحديث النبوي، على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، ولا سيما في القرون المتأخرة، منذ انبثقت حركة التجديد الديني على يد إمامها المحدِّث الكبير أحمد بن عبد الرحيم الشاه ولي الله الدهلوي (1703م)، ثم تتابعت حلقاتها في مدرسة دار العلوم ديوبند، على أيدي أعلامها الكبار؛ أمثال الإمام محمد قاسم النانوتوي، والإمام رشيد أحمد الكنكوهي، والإمام أشرف علي التهانوي، والإمام محمد أنور شاه الكشميري، والإمام حسين أحمد المدني، والإمام محمد زكريا الكاندهلوي، وغيرهم من أئمة هذا الشأن، رحمهم الله تعالى أجمعين.
ثم امتد هذا السِّفر المبارك إلى طبقة المحدِّثين المعاصرين، الذين ما زالوا -بتوفيق الله تعالى- يحملون لواء خدمة السنة النبوية، تعليماً وتأليفاً، وتحقيقاً وتدريساً، فأثروا المكتبة الإسلامية بأعمال موسوعية، ودراسات رصينة، ومجالس علمية مباركة، استقبلتها الأمة الإسلامية بالقبول والاحتفاء في مشارق الأرض ومغاربها، وبين العرب والعجم، حتى غدوا بحق أعلام النهضة الحديثية الحديثة، وحملة رايتها في هذا العصر.
وليس ذلك بمستغرب؛ فقد أفنوا أعمارهم في خدمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصلوا ليلهم بنهارهم في الاشتغال بها تعلماً وتعليماً، وبحثاً وتحقيقاً، حتى بقيت مشاعلها متقدة، وأنوارها متألقة، تهدي السالكين، وتضيء للأمة طريقها على تعاقب الأزمان، وتوالي الأيام.
"مكتبة الهند الحديثية" ودورها المتواصل في خدمة السنة النبوية
ولئن نظرنا في النتاج العلمي لعلماء هذه المدرسة، وجدناه قد استوعب مختلف ميادين خدمة السنة النبوية؛ فخدم الحديث الشريف متنًا وشرحًا، وتعليقًا وتحقيقًا، كما خدمه فقهًا واستنباطًا، ودعوةً وإرشادًا، حتى غدت المكتبة الحديثية في الهند وباكستان من أغزر المكتبات الإسلامية مادةً، وأوسعها عطاءً في هذا الفن.
ولم يكن اهتمامهم قاصرًا على المتون وفقهها، بل أولوا جانب الأسانيد، وجرح الرجال وتعديلهم، عنايةً ظاهرة، وأفردوا له أبحاثًا دقيقة، حتى شغلت الدراسات الإسنادية والأصولية حيِّزًا كبيرًا من مؤلفاتهم الحديثية. غير أن عنايتهم الكبرى ظلت منصرفةً إلى إبراز مقاصد الحديث الشريف، وفقهه، ودلالاته، ورسالة السنة في بناء الحياة؛ لأن معظم القضايا الإسنادية قد نضجت دراستها عبر جهود المحدثين المتقدمين.
ومع ذلك، فإن بطون مؤلفاتهم لا تزال تزخر بثروة نفيسة في هذا الباب، كما برز فيهم رجال امتازوا بسعة الاطلاع، وقوة الاستحضار، ودقة المعرفة بالطرق والأسانيد، وفي طليعتهم العلامة المحدِّث الشيخ محمد يونس الجونفوري رحمه الله تعالى، الذي عُدَّ في زمانه من كبار أئمة هذا الفن، وقبله العلامة المحدِّث المحقق حبيب الرحمن الأعظمي رحمه الله تعالى، وغيرهما من أعلام المدرسة الحديثية، الذين خلَّفوا تراثًا علميًا يعتز به الباحثون.
أما في باب جمع الأحاديث، فقد أسهم علماء هذه الديار بإسهامات بارزة، من أشهرها "إعلاء السنن" للعلامة ظفر أحمد العثماني، و"آثار السنن" للعلامة النيموي، وقد جمعا طائفة كبيرة من الأحاديث المتعلقة بمباحث الفقه الحنفي، وسبقهما إلى ذلك الإمام علي المتقي الهندي في كتابه العظيم "كنز العمال"، الذي أصبح من أشهر كتب جمع الحديث، وانتشر في مكتبات العالم الإسلامي، ولا يزال مقصدًا للباحثين إلى يومنا هذا.
نظرة في تاريخ جمع الحديث وتدوينه
وإذا أمعنَّا النظر في تاريخ كتب الجوامع الحديثية، وجدنا أنفسنا أمام تراث بالغ الضخامة والعظمة، شيَّده عباقرة المحدثين عبر قرون متطاولة، ابتدأت إرهاصاته منذ عصر النبوة، بما كُتب من الصحف والوثائق والمجاميع، ثم دخل مرحلة جديدة في عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، حين وجَّه بجمع السنة وتدوينها على المستوى الرسمي، لتبدأ بعد ذلك مرحلة الازدهار الكبرى في القرنين الثاني والثالث للهجرة، حيث ظهرت الجوامع، والسنن، والمسانيد، والمصنفات، والمعاجم، وسائر المصنفات الحديثية التي أرست دعائم هذا العلم، وحفظت ميراث النبوة للأمة.
ثم توالت جهود العلماء جيلًا بعد جيل، حتى زخرت المكتبة الإسلامية بالمجاميع الحديثية الكبرى، فظهر "الجمع بين الصحيحين" للحميدي (ت 488هـ)، و"جامع الأصول" لابن الأثير (ت 606هـ)، و"التجريد" للسرقسطي (ت 658هـ)، و"جامع المسانيد والسنن" لابن كثير الدمشقي (ت 774هـ)، و"مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" للهيثمي (ت 807هـ)، و"إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة" للبوصيري (ت 840هـ)، و"المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية" لابن حجر العسقلاني (ت 852هـ)، و"الجامع الصغير" و"جمع الجوامع" للإمام السيوطي (ت 911هـ)، و"كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال" لعلي المتقي الهندي (ت 975هـ)، و"الجامع الأزهر في حديث النبي الأنور" للمناوي (ت 1031هـ)، و"جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد" للمغربي (ت 1094هـ)، إلى جانب عشرات المصنفات الأخرى التي حفظت للأمة الحديث النبوي بألفاظه، وأسانيده، ومعانيه، ومقاصده، وأسهمت في صيانة ميراث النبوة ونقله إلى الأجيال المتعاقبة.
وكانت هذه الثروة العلمية الهائلة من أعظم مظاهر تحقق الوعد الإلهي الخالد:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
فكانت جهود المحدِّثين، على امتداد القرون، شاهدًا عمليًا على هذا الحفظ الرباني، ومعجزة علمية متجددة في صيانة ميراث الرسالة، وستظل -بإذن الله تعالى- كذلك ما بقي في الأرض من يحمل هذا العلم، ويتشرف بخدمة سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
الحاجة إلى تدوينٍ جديد
إذا كانت الرسالة المحمدية، بما تحمله من هدايةٍ خالدة، وما تشتمل عليه من سنةٍ قولية وعملية وتقريرية، رحمةً للعالمين، وخطابًا ربانيًّا موجَّهًا إلى الإنسانية جمعاء، صالحًا لكل زمان ومكان، وكانت حياة الناس -في المقابل- دائمة الحركة والتطور، لا تكف عن إنتاج الوقائع والنوازل، وتبدُّل الأحوال والظروف، فإن الحاجة إلى تجديد وسائل خدمة السنة النبوية، وإبراز كنوزها بما يلائم كل عصر، ويخاطب عقليته، ويستجيب لمتطلباته العلمية والمعرفية، تظل حاجةً أصيلةً ومتجددة، تفرضها طبيعة الرسالة نفسها، قبل أن تفرضها طبيعة الزمن.
ومن هنا ظل علماء الأمة، على امتداد تاريخها، يرفدون المكتبة الإسلامية بمصنفاتهم الحديثية، ويبتكرون في مناهج التصنيف، وطرائق الجمع والترتيب والشرح، بما يلبِّي حاجات عصورهم، ويجيب عن أسئلتها، ويواكب مستجداتها الفكرية والفقهية والعلمية. وهذا النهج هو الذي سار عليه علماء العصر الحديث كذلك، فخدموا السنة النبوية فقهًا واستنباطًا، ودعوةً وتربيةً، وفكرًا وإصلاحًا، بما يجعلها حاضرةً في واقع الحياة، وقادرةً على توجيه الإنسان في كل زمان.
الباعث على إعداد موسوعة جديدة
ومع كثرة الجهود التي بُذلت في خدمة السنة النبوية، بقيت الحاجة قائمةً إلى مشروعٍ جديد يتناولها من زاويةٍ أخرى؛ زاوية الجمع الشامل، والتدوين الجامع، والضبط الدقيق، والترقيم العالمي الموحَّد، مستفيدًا من الإمكانات التقنية الحديثة، ومواكبًا للوسائل العلمية التي أتاحها العصر.
وكأن العناية الإلهية ادَّخرت هذا العمل لثلةٍ من علماء باكستان، ليواصلوا المسيرة المباركة التي شيدها أسلافهم في خدمة الحديث الشريف، ويضيفوا إليها لبنةً جديدةً في تاريخ تدوين السنة النبوية، حتى تهيأت لهذا المشروع أسبابه، واجتمعت له مقدماته، وتداعت إليه عوامل النجاح من جهات متعددة.
وتبدأ قصة هذا المشروع بفكرةٍ ألهمها الله تعالى أحد عباده المخلصين، وهو رجل من عامة الناس، لم يكن معروفًا بالاشتغال بالعلم أو التأليف، فحمل اقتراحه إلى العلامة الفقيه المحدِّث الشيخ محمد تقي العثماني حفظه الله تعالى، فعرضه عليه، فاستوقفه بما انطوى عليه من جدةٍ وأصالة، فنظر إليه بعين البصيرة، وأعمل فيه فكره، حتى تحوَّل -بتوفيق الله تعالى- من فكرةٍ أولية إلى مشروعٍ علمي متكامل، ذي أهداف واضحة، ومنهج محدد، وآفاق واسعة.
وقد أشار العلامة محمد تقي العثماني حفظه الله تعالى إلى قصة نشأة هذا المشروع، ومراحله الأولى، في مقدمته للجزء الأول من "المدونة الجامعة"، حيث عرض الدوافع التي حدت إلى تبنيه، والخطوات التي مر بها حتى دخل حيِّز التنفيذ، وأصبح واحدًا من أكبر المشروعات الحديثية في العصر الحاضر.
من ملامح مشروع "المدوَّنة الجامعة"
ليس مشروع "المدوَّنة الجامعة للأحاديث المروية عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم" مجرد عمل جديد في ميدان جمع الحديث، وإنما هو حلقة متقدمة في السلسلة التاريخية لتدوين السنة النبوية، واستئناف معاصر لمسيرةٍ علمية امتدت قرونًا متطاولة، ظل العلماء خلالها يبتكرون الوسائل، ويجددون مناهج الجمع والترتيب والتبويب، حتى تتهيأ السنة النبوية للأمة في أكمل صورة، وأيسر تناول.
وقد مضى هذا المشروع، منذ انطلاقته، في هدوء بعيد عن الأضواء، يواصل خطواته بثبات وصبر، حتى أخذت معالمه تتضح شيئًا فشيئًا، وأصبح اليوم واحدًا من أكبر المشروعات الحديثية التي شهدها العصر الحديث، بما يجمع بين أصالة المنهج، وشمول المادة، والإفادة من التقنيات المعاصرة. ومن هنا كان من حقه أن يُنظر إليه بوصفه إضافة نوعية إلى تاريخ تدوين الحديث النبوي، لا لمجرد ضخامة حجمه، وإنما لما امتاز به من رؤية جديدة، ومنهج مبتكر، وأهداف علمية بعيدة المدى.
ولعل أبرز هذه المزايا يمكن إجمالها فيما يأتي:
أولًا: الإدارة العلمية للمشروع
يشرف على هذا المشروع العلمي الكبير أحد أبرز أعلام الأمة الإسلامية في هذا العصر، وهو العلامة الفقيه المحدِّث الشيخ محمد تقي العثماني حفظه الله تعالى، الذي أفنى عقودًا من عمره في خدمة القرآن الكريم والسنة النبوية، تدريسًا، وتأليفًا، وتحقيقًا، وإفتاءً، حتى غدت مؤلفاته ومجالسه العلمية مرجعًا موثوقًا لدى العلماء والباحثين في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وقد امتاز منهجه بالجمع بين رسوخ القدم في علوم الشريعة، والانفتاح الواعي على قضايا العصر، الأمر الذي هيأ لهذا المشروع قيادة علمية تجمع بين أصالة التراث ومتطلبات الواقع.
ولا تقتصر رعاية سماحته على الإشراف العام، بل يتولى بنفسه مراجعة مراحل العمل مراجعة دقيقة مستوعبة، ويتابع حلقاته العلمية مرحلةً مرحلة، حتى يخرج كل جزء على الصورة التي يرتضيها المنهج العلمي الرصين.
ويتولى الإدارة التنفيذية للمشروع فضيلة الأستاذ المحدِّث الشيخ محمد نعيم أشرف حفظه الله تعالى، أحد كبار أساتذة الحديث في جامعة دار العلوم كراتشي، الذي جمع بين التخصص الدقيق في علوم الحديث، والخبرة الطويلة في التأليف الموسوعي، مع معرفة متقدمة بالتقنيات الحاسوبية والبرمجيات الحديثة، وهي أدوات أصبحت اليوم من أهم وسائل إنجاز المشروعات العلمية الكبرى، ولا سيما في الأعمال التي تقوم على استيعاب آلاف النصوص، ومئات المصادر، وعشرات الآلاف من الطرق والأسانيد.
ويعاونه في هذا العمل فريق من الباحثين المتخصصين، من خريجي جامعة دار العلوم كراتشي، ممن جمعوا بين التأهيل العلمي في علوم الحديث، والخبرة العملية في التحقيق، والقدرة على التعامل مع الوسائل التقنية الحديثة، ليشكلوا فريقًا بحثيًا متجانسًا يعمل بروح جماعية، ويواصل هذا المشروع بصبر ودقة على مدى سنوات طويلة.
ولم تقف فكرة المشروع عند حدود أصحابها، بل عرضها العلامة الشيخ محمد تقي العثماني حفظه الله تعالى على نخبة من كبار علماء العالم الإسلامي، ممن عُرفوا بخدمتهم البارزة للسنة النبوية، وفي مقدمتهم العلامة الدكتور محمد مصطفى الأعظمي (1932-2017م)، والعلامة الشيخ يوسف القرضاوي (1926-2022م)، والعلامة الدكتور عبد الستار أبو غدة (1940-2020م)، والشيخ عبد الملك بكر القاضي، وشيخنا العلامة محمد رفيع العثماني حفظه الله تعالى [والمتوفى (1936-2022م)، رحمه الله تعالى]
وقد لقي المشروع منهم قبولًا حسنًا، وتشجيعًا صادقًا، كما أسهموا بآرائهم وتوجيهاتهم العلمية في ترشيد فكرته، واستكمال معالمه، مما أكسبه منذ مراحله الأولى بعدًا علميًا يتجاوز الإطار المحلي، ويؤهله لأن يكون مشروعًا إسلاميًا عالميًا، تتضافر فيه خبرات العلماء، وتلتقي عنده جهود الباحثين في خدمة السنة النبوية الشريفة.
ثانيًا: منهج العمل ومادته العلمية
لعل أعظم ما يميز "المدوَّنة الجامعة" أنها لا تقف عند حدود جمع طائفة من كتب الحديث أو ضم عدد من دواوينه المشهورة، وإنما تتطلع إلى استيعاب جميع الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، على اختلاف درجاتها من حيث الصحة والضعف، ما دامت قد رويت في المصادر الحديثية المعتمدة أو في الكتب التي حفظت شيئًا من المرويات، سواء أكانت من دواوين السنة الأصلية، أم من كتب الشروح، والتخاريج، والأجزاء الحديثية، والسير، والتواريخ، والطبقات، وغيرها من المصادر القريبة أو البعيدة.
وهذه السعة في الاستيعاب هي التي تمنح المشروع فرادته بين مشروعات جمع الحديث؛ إذ لم يسبق -فيما نعلم- أن استهدف مؤلَّف واحد جمع هذا القدر الهائل من المرويات، على اختلاف مظانها وتعدد مصادرها، في إطار منهج علمي موحد. أما المصنفات السابقة -على جلالة قدرها، وعظيم منزلتها- فقد كان لكل منها غرضه الخاص، ومنهجه المحدد، ومصادره التي اقتصر عليها، فجاء هذا المشروع ليكمل تلك الجهود، ويجمع شتاتها، ويضم متفرقها، مصداقًا للمقولة المشهورة: "كم ترك الأول للآخر".
ومن هنا نجد أن كتب الصحاح قد يفوتها كثير مما ورد في كتب الزوائد، كما أن كتب الزوائد لا تستوعب جميع ما في دواوين السنة الأصلية، وحتى المصنفات الجامعة التي ألَّفها الإمام السيوطي، على ما امتازت به من سعة الاستيعاب، لم تُعن بإيراد الأسانيد، كما اشتملت على قدر غير يسير من المتون المكررة. وقد بسط شيخنا العلامة محمد رفيع العثماني رحمه الله تعالى هذا المعنى في تقريظه للجزء الأول من "المدوَّنة الجامعة"، مبرزًا الحاجة العلمية إلى مشروع يستوعب المادة الحديثية، مع المحافظة على أسانيدها، وإعادة تنظيمها وفق منهج جديد.
ولعل المزية الثانية، التي تُعد بحق من أبرز خصائص هذا المشروع، بل هي الفكرة التي انطلقت منها نواته الأولى، تتمثل في اعتماد نظام عالمي موحد لترقيم الأحاديث النبوية؛ بحيث يُمنح كل حديث أصل في الباب رقمًا ثابتًا مستقلًا، ثم تُلحق به جميع شواهده، ومتابعاته، وطرقه، برموز وأرقام فرعية متفرعة عن ذلك الرقم الأصلي.
وهذه الفكرة، وإن بدت يسيرة في ظاهرها، فإن آثارها العلمية بعيدة المدى؛ إذ يصبح لكل حديث رقم ثابت، لا يتغير بتغير الطبعات، ولا يختلف باختلاف دور النشر، تمامًا كما استقر أمر ترقيم آيات القرآن الكريم، فأصبحت الإحالة إليها واحدة في مشارق الأرض ومغاربها.
ومن شأن هذا النظام أن يفتح آفاقًا جديدة أمام الباحثين، وأن يخفف عنهم عناء الإحالة إلى أرقام الصفحات والمجلدات، التي تختلف من طبعة إلى أخرى، فيغدو الحديث معروفًا برقمه العالمي، كما تُعرف الآية برقمها، وهي ميزة طالما احتاج إليها الباحثون في الدراسات الحديثية، ولا سيما في هذا العصر الذي اتسعت فيه حركة النشر، وتعددت الطبعات، وتنوعت وسائل الإفادة من النصوص.
واعتمد المشروع في إنجاز هذه الغاية على قاعدة واسعة من المصادر الحديثية؛ إذ بُني أساسًا على ثمانين مصدرًا أصيلًا من أمهات كتب السنة، تُستخرج منها الأحاديث بجميع طرقها، ثم توسع نطاق العمل ليشمل مئات المصادر الأخرى، حتى بلغ عدد المصادر المعتمدة سبعمائة وتسعة عشر مصدرًا، يضاف إليها مائة وأحد عشر مصدرًا مستمدًا، ونحو ألفٍ وتسعمائة مصدر من مصادر الزوائد، وهو ما يجعل المادة العلمية التي تقوم عليها "المدوَّنة الجامعة" أوسع مادة حديثية جُمعت في مشروع واحد -فيما نعلم-.
ولم يقف الأمر عند مجرد حصر المصادر، بل اقتضى مراجعة ملايين الصفحات مراجعة دقيقة ومتكررة؛ إذ تجاوزت صفحات البحث التي خضعت للفحص والتحرير والمراجعة مليونين وستين ألف صفحة، استُخرجت منها المرويات، ووُثقت، وقورنت، ثم أُدرجت في مواضعها وفق المنهج المرسوم للموسوعة.
ولم يكتف المشروع بجمع النصوص، بل التزم -ما أمكن- بإيراد أقوال الأئمة المتقدمين في الحكم على كل حديث، محافظةً على الصلة بالميراث النقدي الذي خلفه علماء هذا الفن. أما إذا خلا الحديث من حكم صريح لأحد المتقدمين، فإن الباحثين يتولون دراسته في ضوء القواعد الحديثية المقررة، ثم يثبتون ما ينتهون إليه في الحاشية، دون أن يدرجوه في متن الكتاب؛ إبقاءً على التمييز بين النصوص المنقولة، والاجتهادات المعاصرة.
ومن الخصائص المنهجية الجديرة بالتنويه أن "المدوَّنة الجامعة" لم تُرتب ترتيبًا معجميًا على حروف الهجاء، وإنما بُنيت على التبويب الموضوعي؛ لأن هذا الأسلوب أقرب إلى طبيعة البحث العلمي، وأيسر للباحث في تتبع موضوعات السنة، وربط النصوص المتصلة بالقضية الواحدة في موضع واحد.
كما حرص القائمون على المشروع على أن تكون عناوين الأبواب حياديةً خالصة، بعيدة عن أي توجيه مذهبي أو فكري، فلا تحمل في ألفاظها ما قد يوهم ترجيحًا أو انحيازًا، ليبقى الكتاب صالحًا للانتفاع به لدى جميع المسلمين، على اختلاف مدارسهم الفقهية، واتجاهاتهم العلمية، وليكون وعاءً جامعًا للسنة النبوية، لا ميدانًا للخلاف في طريقة عرضها.
ومع اتساع رقعة العمل، وتتابع مراحله، أخذت ملامح هذا المشروع العملاق تتكشف شيئًا فشيئًا بالأرقام والإحصاءات، وهي أرقام لا تعكس مجرد كثرةٍ في المادة، بقدر ما تكشف عن حجم الجهد العلمي المبذول، ودقة المنهج الذي يسير عليه فريق العمل.
وقد بلغ عدد الأحاديث المرفوعة التي أُنجز العمل عليها حتى الآن (بحسب آخر تحديث عام 2026م) سبعةً وعشرين ألفًا وتسعمائة واثنين وخمسين (27,952) حديثًا، وأُلحق بها ستةٌ وعشرون ألفًا وخمسمائة وأربعة وتسعون (26,594) شاهدًا ومتابعة، في حين بلغ مجموع طرقها وأسانيدها أربعمائةً وواحدًا وستين ألفًا وسبعمائةٍ وأحد عشر (461,711) طريقًا. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المحدِّثين يعدُّون كل طريقٍ للحديث روايةً مستقلةً من حيث الدراسة والنقد، وإن اتحد المتن في الجملة؛ وهو ما يفسر ضخامة هذا الرقم، ويبرز في الوقت نفسه مدى السعة التي بلغها المشروع في استقصاء المرويات واستيعاب طرقها.
وقد اختار العلامة الشيخ محمد تقي العثماني حفظه الله تعالى لهذا العمل اسم "المدوَّنة الجامعة للأحاديث المروية عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم"، وعدل عن تسميته بـ"الموسوعة"، موضحًا في مقدمته أن لفظ "الموسوعة" قد شاع استعماله في هذا العصر حتى فقد كثيرًا من خصوصيته العلمية، وأصبح يطلق على أعمال متفاوتة في مستواها ومنهجها، بينما وجد في لفظ "المدوَّنة" دلالةً أوفى على طبيعة هذا المشروع، واتساقًا أكبر مع رسالته العلمية.
وقد خرج الجزء الأول من "المدوَّنة الجامعة" في حلة علمية وطباعية فاخرة، ثم تتابع صدور أجزائها حتى بلغ عدد المجلدات المطبوعة -بحسب آخر تحديث في عام 2026م- عشرين مجلدًا، صدرت بالتعاون بين مكتبة دار العلوم كراتشي ودار القلم ببيروت، وجاءت موافقةً لأرقى المعايير الفنية في الإخراج والطباعة، واشتملت مجلداتها الأولى على "كتاب الإيمان". وقد وصف فضيلة الشيخ محمد نعيم أشرف هذه المدونة بأنها أكبر مجموعة حديثية متخصصة في بابها عرفها العالم الإسلامي حتى اليوم.
ومن أبرز ما ينفرد به هذا المشروع اعتماده على بنيةٍ تقنية متطورة أُنشئت خصيصًا لخدمته؛ إذ لم يعتمد قسم "موسوعة الحديث" بجامعة دار العلوم كراتشي على البرامج التجارية المتداولة، وإنما قام بتطوير منظومة حاسوبية مستقلة، صُممت لتلبية الاحتياجات العلمية الدقيقة التي يقتضيها هذا العمل، من ربط النصوص، وتتبع الأسانيد، وتصنيف الطرق، وإدارة الكم الهائل من البيانات الحديثية، وهو ما أتاح للمشروع مستوى من الدقة والتنظيم كان من العسير بلوغه بالوسائل التقليدية.
وقد أثارت هذه التجربة إعجاب عدد من المختصين في عالم النشر وتحقيق التراث؛ حتى إن بعض مديري دور النشر والمكتبات الكبرى في بيروت أبدى دهشته من المستوى التقني الذي بلغه هذا المشروع، معربًا عن إعجابه بما يمتلكه علماء باكستان من خبرة علمية وتقنية مكَّنتهم من توظيف الوسائل الحديثة في خدمة السنة النبوية بهذا المستوى الرفيع.
ويُتوقع أن تمتد "المدوَّنة الجامعة" إلى نحو أربعين مجلدًا أو يزيد، إذا جرى العمل على الوتيرة نفسها، وهو ما يعكس ضخامة المشروع، وسعة آفاقه، وطول النفس الذي يتطلبه إنجازه.
ولعل من أبرز ما يستوقف المتأمل في هذه التجربة أن القائمين عليها لم يسلكوا طريق الضجيج الإعلامي، ولم يجعلوا من المشروع وسيلةً للدعاية أو الظهور، وإنما آثروا العمل الصامت، والصبر الطويل، والتدرج في البناء، حتى مضت سنوات متتابعة، تجاوزت أكثر سبعة عشرعامًا، وهم يواصلون المسيرة بعزيمة لا تفتر، وإيمان راسخ برسالة العلم، على الرغم مما يكتنف مثل هذه المشروعات الكبرى من تحديات مالية وإدارية وبشرية.
واليوم، وبعد أن غدت "المدوَّنة الجامعة" حقيقةً ماثلة، وخرج منها عشرون مجلدًا إلى النور، لم يعد من المناسب أن يبقى هذا الجهد العلمي حبيس الدوائر الضيقة، بل أصبح من حقه أن يُعرض على المجتمع العلمي الإسلامي؛ ليُقرأ، ويُناقش، وتُستقبل حوله الملحوظات العلمية التي تسهم في تجويده، وتعين على استكماله، وتضعه في المكانة التي يستحقها بين المشروعات الحديثية الكبرى في العصر الحديث.
ولهذا يعمل قسم "موسوعة الحديث" بجامعة دار العلوم كراتشي على التعريف بهذا المشروع في الأوساط العلمية، من خلال برامج علمية ومؤتمرات ولقاءات متخصصة، على المستويات الجامعية والوطنية والدولية. وقد أُقيم بالفعل أول احتفاء علمي بالمشروع في رحاب جامعة دار العلوم كراتشي، بحضور مشايخها، وأساتذتها، وطلابها، على أن تتبعه -بإذن الله تعالى- مراحل أخرى أوسع نطاقًا، تُعرِّف بهذا الإنجاز العلمي في المحافل العلمية داخل باكستان وخارجها، حتى يأخذ مكانه اللائق في خدمة السنة النبوية، ويجد سبيله إلى الإفادة منه لدى الباحثين والمؤسسات العلمية في العالم الإسلامي.
ونسأل الله تعالى أن يبارك في هذا المشروع، وأن يكلل جهود القائمين عليه بالقبول والتوفيق، وأن يجعله ذخرًا للسنة النبوية، ولبنةً راسخة في صرح خدمتها، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.