04/09/2026
|
✨️حين تكتب القرية ذاكرتها
ليست إميلي نصر الله كاتبةً عن الريف والهجرة والحرب فحسب؛ كانت شاهدةً على ما تفعله هذه الأشياء في قلب الإنسان، وخصوصا في قلب المرأة التي تحاول أن تصنع لنفسها مكانًا في عالمٍ لا يمنحها مكانها بسهولة.
في قرية الكفير الجنوبية، الواقعة على منحدرات جبل الشيخ، وُلدت إميلي داود أبي راشد في السادس من تموز/يوليو عام 1931.
هناك، بين الحقول والبيوت المتقاربة وذاكرة العائلة، بدأت الحكاية الأولى لكاتبة ستجعل من القرية عالما أدبيا كاملا، لا بوصفها مكانا جغرافيا فحسب، بل بوصفها مرآةً للحنين والعمل والفقد والانتظار.
نشأت إميلي في بيئة تقليدية لم يكن يُنتظر من الفتاة فيها أن تذهب بعيدا في التعليم. لكنها لم ترَ في حدود المكان قدرا نهائيا.
درست في مدرسة الكفير الرسمية، ثم تابعت تعليمها في الكلية الوطنية في الشويفات قرب بيروت، قبل أن تواصل دراستها الجامعية وتحصل عام 1958 على إجازة في التربية.
لم يكن التعليم بالنسبة إليها شهادةً معلّقة على جدار، بل كان طريقا إلى الحرية.
وقد ارتبطت سنوات الجامعة في حياتها باكتشاف معنى حرية التفكير وحرية الحركة والمساواة بين المرأة والرجل.
ومنذ سنوات الدراسة، بدأت رحلتها مع الصحافة والكتابة؛ فكتبت في مجلة "صوت المرأة"، كما عملت سنوات في مجلة "الصياد"، ودرّست بدوام جزئي لتساند نفسها في طريقها العلمي والمهني.
في عام 1957، تزوجت من فيليب نصر الله، وأنشآ أسرةً من أربعة أبناء.
غير أن الزواج والأسرة لم يطفئا صوت الكاتبة فيها؛ بل ظلت تكتب من داخل الحياة اليومية، ومن قلب البيت والقرية والبلد الذي اختارت أن تبقى فيه.
كانت انطلاقتها الروائية الكبرى مع "طيور أيلول" عام 1962. لم تكن الرواية مجرد بداية موفقة، بل كانت إعلانا عن ولادة صوت أدبي خاص؛ صوت يلتقط التحولات الصغيرة في حياة الناس، ويصغي إلى وجع الذين يغادرون، وإلى الذين يبقون في انتظار عودة لا تأتي.
حققت طيور أيلول نجاحا كبيرا ونالت ثلاث جوائز أدبية، لتفتح أمام إميلي نصر الله طريقا طويلا في الأدب العربي.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت القرية والهجرة والمرأة والحرب والذاكرة من أبرز العوالم التي عادت إليها في أعمالها، لكنها لم تكن تكرر نفسها؛ ففي كل كتاب كانت تفتح نافذة جديدة على الإنسان وهو يواجه الحياة والفقد والتغير.
كتبت إميلي نصر الله عن الذين يتركون قراهم بحثا عن حياة أخرى، وعن البيوت التي تبقى معلقةً في انتظار الغائبين.
كتبت عن المرأة وهي تحاول أن تجد صوتها، وعن الحرب وهي تدخل البيوت وتغيّر مصائر الناس، وعن القرية التي لا تبقى كما كانت مهما حاولت الذاكرة الاحتفاظ بها.
لم تكن شخصياتها بعيدة عن الحياة. كانت تشبه الناس الذين يمكن أن نلتقيهم في القرى والشوارع والبيوت؛ أمهات ينتظرن، وشباب يحلمون بالسفر، ونساء يبحثن عن مساحة أوسع للعيش، وأشخاص يحاولون النجاة من تحولات أكبر منهم.
من أبرز رواياتها:
- طيور أيلول
- شجرة الدفلى
- الرهينة
- تلك الذكريات
- الإقلاع عكس الزمن
- الجمر الغافي
- ما حدث في جزر تامايا
- مكان
كما كتبت عددا من المجموعات القصصية، من بينها:
- جزيرة الوهم
- الينبوع
- المرأة في 17 قصة
- الطاحونة الضائعة
- خبزنا اليومي
- محطات الرحيل
- روت لي الأيام
- الليالي الغجرية
- أوراق منسية
- أسود وأبيض
- رياح جنوبية
- وصارت الصخور فراشات
ولم يقتصر عالمها على أدب الكبار، فقد تركت أيضا أثرا مهما في أدب الأطفال والناشئة، ومن أشهر أعمالها:
- الباهرة
- شادي الصغير
- يوميات هرّ
- الغزالة
- على بساط الثلج
- أندا الخوتا
- أين تذهب أندا؟
كما كتبت أعمالا توثيقية وسيرية، من أبرزها "نساء رائدات" في ستة أجزاء، تناولت فيها سير نساء رائدات من الشرق والغرب، إلى جانب كتابها "في البال".
لم تكن إميلي نصر الله كاتبةً غزيرة الإنتاج فحسب، بل كانت صاحبة مشروع أدبي واضح. لقد كتبت عن الإنسان حين يبتعد عن جذوره، وعن المكان حين يتحول إلى ذاكرة، وعن المرأة حين تصرّ على أن يكون لها صوتها الخاص.
وربما كان سر استمرار أعمالها هو أنها لم تكتب عن قضايا كبيرة من أبراج عالية، بل كتبت عنها من داخل البيوت والقرى والقلوب.
كانت ترى في التفاصيل الصغيرة حكايات كاملة؛ في نافذة تنتظر عودة غائب، وفي حقيبة مسافر، وفي أمّ تخشى الحرب، وفي فتاة تحاول أن تختار طريقها.
رحلت إميلي نصر الله في آذار/مارس عام 2018، لكن القرية التي حملتها في كتاباتها لم ترحل. بقيت في صفحاتها، وبقي معها ذلك الصوت الذي عرف كيف يجعل من الذاكرة أدبًا، ومن الحنين حكاية، ومن الإنسان العادي بطلًا يستحق أن يُروى.
إميلي نصر الله لم تكن تكتب عن القرية فقط؛ كانت تكتب القرية وهي تتغير، وتفقد أبناءها، وتنتظرهم، وتحفظ أسماءهم في الذاكرة.
ولهذا، بقيت كتبها تشبه نافذة مفتوحة على زمنٍ لم يعد موجودا كما كان، لكنه ما زال يعيش في الكلمات.