09/07/2026
المحاضرة التى ألقاها
الــ بروفيسور النذير دفع الله فـي حـفـل تكــريم سيادته بمناسبة انتهاء فـتـرة خــدمــتة كمدير للجامعة
أثـــر الـــبحـــث العــــلـــمى فى أصالة الجامعة
سيدى الراعى والسادة أعضاء مجلس السيادة الموقرين
سيدي رئيس وأعضاء مجلس الوزراء
سيدى رئيس مجلس جامعة الخرطوم والسادة الأعضاء
سيدى مدير الجامعة
سادتى الضيوف – زملائي الأساتذة – ابنائى الطلبة
فى هذه المناسبة الفريدة التي اضفيتم فيها على شرفى هذا التكريم الجميل لايسعنى الا ان أتقدم لكم بعميق الشكر والتقدير على هذه الإشراقة الكريمة وأنه ليبعث في نفسي كثيرا من الفخر والمجد أن يكون القائمون بهذا الحفل هم السادة رئيس واعضاء مجلس جامعة الخرطوم ومديرها الذين سعدت من قبل بالعمل والصداقة فى رحاب معشرهم. كما يسعدنى سعادة بالغة ان يكون مقدمى هو اخى واستاذى الدكتور نصر الحاج علي الذي تلقيت منه العلم والخبرة فدينه على جد كبير . وفى قمة هذا الحفل اجدك يا سيدى الراعى كعهدي بك دائما – تضفي شرف حضورك وعطف رعايتك فلكم مني جميعا امتناني العظيم .
ولقد رأيت إفصاحا عن تقديرى وبداية لتقليد حميد رغبت فيه الجامعة ان اتقدم اليكم بهذا الحديث - لا أقول خطابا لانى لم انمقة ولا محاضرة لانى تحاشيت كثرة الشرح وعمدت الى الكثير من البساطة والى شئ من الإيجاز ولقد رأيت أن ينصب حديثي على ما يجب ان نحقق اكثر منه على ما حققنا وحصرتة على اثر البحث العلمي فى أصالة الجامعة , وبالتالي على مستقبل هذه الجامعة
فى هذا المجال – وجامعتنا واحدة من الجامعات النامية التى يقع على عاتقها واجب شق الطريق أمام أمم مختلفة جادت عليها نعمة الوجود – وتقع على عاتقها مسؤولية ترجمة هذا الوجود الى ايمان بها وبرسالتها لا عن بعد وتهيب كما يعبد ويرهب الصنم وإنما عن قرب واحساس وترجمته الى عمل لا يسبح فقط فى السماء بل يرتكز أيضا على الارض فيدرك الناس فحواه ويدر عليهم بالنفع والخير والطريق الذي تسلكه الجامعة في هذا الاتجاه هو سؤال كل جامعة عريقة أو حديثه – والجامعات النامية أكثر اهتماما وشغلا به – أو هكذا يجب ان تكون – ذلك لأنها ولدت وعلى كاهلها أثقال ضخمة من المسؤوليات النابعة من التخلفات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية فى وقت واكب هذه التخلفات امال أشبه بالأحلام اتت مع الاستقلال السياسي الذي قامت فلسفته في معظم الأحيان على أن تحقيق السعادة والخير رهين فقط بزوال المستعمر. ووسط هذا الحلم المشرف وذلك الواقع المرير ولدت جامعتنا الافريقية غريبة فى شكلها ومضمونها فى ادارتها وأساتذتها وبرامجها , عن المجتمع وعن الظروف وما كان يمكن للجامعة فى افريقيا أو فى اسيا ان تولد غير هذا المولد – ذلك لأن الجامعة العلمانية – بمفهومها الحديث ولدت وترعرعت وأنجبت فى أحضان أوروبا , ومن أوروبا أتت لكى تؤدى اهم رسالتها وهى احداث التحول من التخلف الى التقدم فى المجتمع الذى نقلت اليه , وإزاء هذه الرسالة وجدت الجامعة الجديدة نفسها تواجه بثلاث اعتبارات .
الأول : إثبات مكانتها فى الأسرة الجامعية العالمية عن طريق المستوى بصرف النظر عن محتواها الثقافي ومحيطها الاجتماعي . فنقلت كل شئ – الا القليل عن الجامعة الأم بالغرب وهي النموذج، واستطاعت عن هذا الطريق ان تثبت جدارة الافريقى ومقدراته على الوصول إلى مستوى نظيره الأوروبي بذلك أحرزت الجامعة الثقه بين الاسره الجامعية ولكن ليس كجامعة افريقية وانما كجامعة اوربية.
الاعتبار الثاني : هو أن الجامعة وجدت نفسها أمام ضغوط من جانبى الشعب والحكومات فالشعوب تنادى بفتح الباب أمام ابنائها بصرف النظر عن المستويات والحكومات تنادي بالحد من الإنفاق وتسعى الى التسلط . وبين هذا وذاك تنبعث الأصوات بان الجامعة حصن من حصون الاستعمار ودونما اعتبار لعامل الزمن يقارنون بينها وبين جامعات سبقتها بقرون .
الاعتبار الثالث : هو أن الجامعة لكى تحدث التحول والتطوير فى مجتمعها وبيئتها لا بد لها أن يسبق ذلك تحول فى ذاتها . فى محتواها البشرى ومحتواها العلمي . الأول يعنى ان تكون مراكز السيطرة الإدارية والأكاديمية فى أيدي المواطنين . هذا يعنى التدريب والتجربة والثانى يعنى أن تكون برامجها الدراسية ونشاطها البحثى , وهما متصلان مرتبطين بالبيئه والمجتمع فى المكان الأول ثم بالعالم الخارجى فى المكان الثانى .وهذا يعنى جمع الحقائق وتصنيفها وتدوينها وتدريسها فى إطار المعرفة الانسانية الواسعة .
ومن خلال ذلك تكتشف الجامعة المدخل لاحداث التحول فى المجتمع عن طريق التوسع فى البحوث والإرشاد واذكاء الحركة الفكرية . وعندئذ تكون جذور الجامعة قد تداخلت فى المجتمع فى اتجاهات متعددة تأهبا ودفعا للتحويل . ولكن ليست ( عندئذ ) هذه بالأمر الذى نقول له كن فيكون – فالجامعات الحديثة فى مثل بيئتنا البكر لا تستطيع ان تطوى هذه الأطوار دفعة واحدة. ولابد لنضوجها من الزمن. فكما ان الطفل يتحول من طور المحاكاة الى اقتحام التجربة ليكتسب النضوج كذلك الجامعات تمر بطور النقل تكتسب عن طريقة ثقتها بنفسها ويأتى بعد ذلك طور التكيف فالاقدام على تعديل هيكلها ومحتواها واتجاهاتها بما يتلائم مع تحقيق رسالتها ثم التأصيل الذي يقوم على التوازن الدينميكى بين الجامعة ومجتمعها تأخذ عنه القيم وتعطيه الدفع.
إذن العملية ليست عملية انقلاب بقدر ماهي عملية تطور وعلى الجامعة ان تنظر الى الضغوط الخارجية بحذر لما قد تنطوى عليه من تعجل قد يؤدي بكل مكاسبها. ولكن فى نفس الوقت لابد من القول بأن بعض هذه الضغوط لازمة لتحويل الجامعة فالجامعات تخضع لقانون الحركة والذى يقول أن الجسم يحافظ على سكونة أو حركته مالم يتعرض لقوة تغير من حالته التى بها .
منذ قرن من الزمان قال دكتور ايليوت رئيس جامعة هارفارد فى ذلك الوقت ان الجامعة تنمو من البذره ولا يمكن نقلها من انجلترا والمانيا لتظل على نفس الصورة التي نقلت بها. وعندما تنمو هذه الجامعة (يعنى جامعة هارفارد) الى جامعة امريكية حقيقية فانها لن تظل نسخة من المؤسسات الأجنبية (يعنى من جامعة كمبردج التى قامت هارفارد على قرارها) بل ستنمو نموا بطيئا طبيعيا" يحمل طابع المجتمع الامريكى واتجاهاته وسياسته .
وقال اشبى :
اذا ماتفاعلت الجامعة بمحض اختيارها مع المجتمع الذي تخدمه فانها تصبح فى مكانة أسمى واروج فى سوق الجامعات العالمى مما لو استمرت فى النقل والمحاكاة فجامعة هارفارد كانت صورة من جامعة كمبريدج وجامعة سيدني كانت نسخة من جامعة لندن ولكنهما اليوم تختلفان فى الأصل , فالاولى اصبحت جامعة امريكية تأصلت فى المجتمع الأمريكى والثانية تكيفت تماما فى المجتمع الاسترالى كذلك سيصير الحال مع الجامعات الإفريقية اذا ما خاضت التجربة ولكن عليها ان تحذر التعجل فسرعة التغيير تحدث التصدع .
من هذه المقدمة نخلص إلى أن أهم رسالة للجامعة هى إحداث التحول النافع فى المجتمع الذى تعيش فيه . وان احداث هذا التحول لن يصبح حقيقة مالم تسبقه تحولات داخلية تنظيمية وفلسفية تتأهب بها الجامعة لمواجهة جميع مسئولياتها _ وأن هذا التأهب لن يحدث بطريقة فعالة مالم تعمل قوى الجامعة على أحداثه .
بعد هذا نأتي إلى السؤال الهام وهو ماذا تفعل الجامعة لكى تنتقل من طور الغربة الى طور الانتماء القومى . هنالك اعتبارات لابد من التعرض لها رغم ما يبدو من بداهتها وهى :
أولا : لكى ننتمى انتماء واعيا لابد لنا من التعرف على طبيعة الشئ الذى سننتمى اليه . على هيكله ومحتواه وخصائصه .
ثانيا : لكى نحدث تغييرا لابد لنا من اكتشاف المداخل التى عن طريقها يمكننا احداث التغيير .
ثالثا : لابد من التوازن بين الهدف والاعداد البشري والفني والتنظيمي .
رابعا : الاستعداد للنتائج الناجمة عن التغيير .
فى كل واحد من هذه الاعتبارات يكمن عدد يصعب حصره من مواضيع البحوث فى كل المجالات العلمية - البحوث الهادفة أولا لاكتشاف انفسنا , تركيبنا الاجتماعي بخصائصه المتعددة والمتشابهة والمتباينة . سلوكنا كمجتمعات صغيرة ومجتمع كبير . تعريف قوميتنا التى تجمع المحسى مع الرزيقى والهدندوى مع الزاندى , صحتنا وامراضنا انواع غذائنا فى المدينة وفى القرية وفى البادية , وماذا ينقصنا , تاريخ بلادنا - قبائلنا , مدننا , عاداتنا , لغاتنا , أدبنا بأحاجيه واغانية ومدائحة , خصائص بيئتنا الجغرافية والبيولوجية التى تمتد من صحارى النوبة الغابات الاستوائية من أرض وجو ونبات وحيوان الى آخر هذه القائمة الطويلة والتى بدورها يمكن ان نفصل كل واحد من بنودها الى مواد علمية تكون مادة تصلح للتدريس وفتح المزيد من افاق العلم والبحث مما يعيننا على حل مشاكلنا وإثراء المعرفة الانسانية عامة. وبغير معرفة هذه أو جزء غير يسير منها كيف يمكننا ان نجد المدخل لإصلاح الناس واسعادهم. نصلحهم مما؟ نسعدهم بماذا؟ فاذا كانت الجامعة هى عقل الأمة وضميرها – يصبح من نوافل القول ان واجبنا هو شق الطريق وسيرة , والدرب مهما طال يبدأ بالخطوة الأولى والخطوة الاولى فى هذا المضمار , فى نظرى هى وعى الجامعة الشامل باهمية البحث العلمى الهادف لخدمة المجتمع وواجبنا هو تجنيد طاقاتنا ومواهبنا لهذه الغاية , ليس فى شكل مجهودات فردية مشتته فى مواضعها , مبعثرة فى اتجاهاتها , وانما فى شكل متناسق متكامل منظم .ولئن كان الدور الكبير فى وضع السياسة والتنظيم والتنفيذ يقع فى المكان الأول على أساتذة الجامعة بصفة عامة فانه لاشك يرتكز على السودانى منهم بصفة خاصة . هذا فى رأيى هو الاعتبار الذى يسبق كل اعتبار فى تأصيل الجامعة فى بحوثها ومواد تدريسها وفى خدماتها للمجتمع الذى تعيش فيه .
قال ديكى مدير جامعة ابدان سابقا فى محاضرة القاها بجامعة بيروت الامريكية عام 1966 بمناسبة عيدها المئوي . * إنني مؤمن بأن مستوى التعليم الجامعي فى الاقطار النامية يجب أن يتجاوب تجاوبا كاملا مع الاحتياجات القومية حتى ولو ادى ذلك الى التخلي عن المفاهيم التقليدية التى لا تتناسب مع طبيعة واحتياجات الأمم النامية. *
ونظرة الى الوراء قليلا الى تقرير ديلاوار عام 1937 وتقرير اسكوث (Asscuith)عام 1945 وإلى مذكرة مجلس أساتذة جامعة لندن بمناسبة قيام الكليات الجامعية فى أفريقيا كلها تفيد وتحث على ضرورة الاهتمام بانعكاس الصبغة القومية على الجامعات الحديثة .
وقال ديلاوار فيما قال عن التعليم الجامعى فى شرق أفريقيا *ولابد من اتخاذ خطوات ناجزة عاجلة لإنشاء دراسات افريقية تشمل اللغات الإفريقية الغالبة فى شرق افريقيا ومن الاهتمام بالدراسات الانثروبولوجية المتعلقة بالتحولات الاجتماعية وقوانين المجتمع الافريقى و الاقتصاد التطبيقي وبدراسة نظم الاداره الاهلية والمحاكم التقليدية .
وقال اسكوث :
*أن غرض الجامعة هو اكتشاف وتدوين وإشعاع كل ما هو طيب في الحضارات المحلية - والجامعة لابد مدركة ان ذلك لا يمكن أن يكون ما لم تعنى بدراسة التقاليد والثقافة المحلية و تدوينها وتصنيفها فى مدونات علم تصلح للتحصيل والامتحان. وبالاختصار فان الخطوة الأولى لتأصيل الجامعة هو البحث الذي تنبع منه كتب التدريس وانطلاقا من هذا فان اللجنة (لجنة اسكوث) تؤمن بأن قيام وظائف تقوم مهامها كليا أو جزئيا على البحوث فى هذه المجالات لأمر بالغ الأهمية .
وقال مجلس اساتذة جامعة لندن فى ذات الآونة :
*أن الجامعة يجب ان تكون جزءا من الحياة الفكرية والفنية والاقتصادية للمجتمع الذى تخدمه.لذا فإن أهم واجبات الاجهزة الاكاديمية فى الكليات الجامعية الجديدة هو صياغة دراستها بما يتفق مع الظروف والاحتياجات المحلية.
هذا هو رأى اللجان التى أوصت بقيام الجامعة فى افريقيا . فهل حققت الجامعات الجديدة هذه التوقعات ؟ وأين مكان جامعة الخرطوم منها ؟
فيما يختص بالجامعات الافريقية بصفة عامة فان الصورة برغم انها مبشرة إلا أنه لازال ينقصها الكثير.
ففى بداية قيامها كانت الجامعات الافريقية سلبية ومعادية للتراث الافريقى وقد كان للمبشرين المسيحيين كما قال اشبى- دور كبير فى هذه السلبية . ذلك لان سيطرة المبشرين على مراحل التعليم ماقبل الجامعى فى ذلك الوقت وتعليمهم ان التقاليد الافريقية ضد تعليم الدين المسيحى ربت هذه الروح عند الطلاب الذين اكملوا التعليم الثانوى على ايديهم . فلم تكن الجامعات الافريقية أبان انشائها وانشغالها بوضع المناهج التى كانت ولازال الكثير منها صوره من مناهج الجامعات الاوربية لم تكن فى وضع يمكنها من العناية بهذا الموضوع الحيوى مع انعدام البحوث والمصادر المتعلقه بالمجتمع الافريقى . هذا ينطبق على غرب وشرق افريقيا على السواء كما ينطبق الى حد غير قليل علينا مع فوارق هامة ساتعرض اليها فى حينها .
وقد ساعد على استمرار هذه الصوره لحين اصرار المثقفين الافريقيين انفسهم على أن تظل الجامعة فى غرب افريقيا صوره طبق الاصل من الجامعة الانجليزية بما فى ذلك تدريس اللغة اللاتينية واللغة الاغريقيه القديمه , برهانا على قدرة الافريقى على تحصيل العلوم الغربية ودفعا للتشككات التى يثيرها بعض المستعمرين حول اهلية الافريقى لتلقى العلوم على المستوى الجامعى .
لكن هذه الجامعات وعت فيما بعد هذا النقص وأخذت فى إعداد العدة حثيثا لتلافيه , فأنشأت معاهد البحوث والدراسات الافريقية وعنت بالدراسات العربية وفتحت الابواب للدراسات الاضافية .
ومع أننا لا نزال نجد الكثير من العزلة التى وصفها سير اريك اشبى فى كتابه ( جامعات غرب افريقيا والتقاليد الاوربية ) بأنها عزلة عن الناس بصورة لم يوجد لها مثيل فى إنجلترا منذ القرون الوسطى مما يؤجل تفاعل الجامعة جيلا" قبل ان يكتمل .
ومع ذلك فاهتمام الجامعة بشئون المجتمع الأفريقي أخذت تبرز بصورة اكثر وضوحا فى الخمس سنوات الاخيرة .
خلاصة القول هو أن تساؤلات الأوروبي عن مقدرة الافريقى على بلوغ المستوى العلمى ومقدرة الجامعة على البقاء فى البيئة الإفريقية قد أجيب عليها بأسلوب أوروبي. بقى الان تساؤل الافريقى عن ماهية الجامعة وقدرتها على التكيف مع حياته وآماله – وعلى الجامعة الآن أن تجيب على هذه التساؤلات بأسلوب افريقى . وما ينطبق على الجامعات الافريقية في مجال التساؤلات والإسهام ينطبق ايضا علينا فى جامعة الخرطوم لكن هناك فارقان هامان تميزانها عن بقية الجامعات الإفريقية في هذا الصدد.
الأول: هو أن عزلة المتعلم الاجتماعية التى سببتها المدارس التبشيرية فى المسرح الأفريقي لاتوجد هنا – فالمتعلمون والاميون هنا كلهم أولاد بلد.
الثاني: هو أن جامعة الخرطوم بحكم ارتباط معظم كلياتها المهنية والنظرية فى بداية التعليم العالى بالمصالح الحكومية كالمعارف والقضائية والطبية والزراعية والبيطرية جعلها متصلة بالواقع. واقع الخدمات الاجتماعية التي كانت تقوم به مراكز البحوث التابعة لهذه المصالح كالابحاث الطبية فى مصلحة الخدمات الطبية والأبحاث الزراعية فى مصلحة الزراعة والأبحاث البيطرية فى مصلحة الخدمات البيطرية ومعهد بخت الرضا فى مصلحة المعارف وكان له أثر كبير على تكييف برامج التدريس .
مما تقدم نصل الى نتيجتين الأولى هى أن المثقف السودانى لم يتعرض لعوامل تربوية عزلته عن مجتمعه كما حدث فى بعض الاقطار الافريقية . والثانية هى أن تاريخ الجامعة قام مرتبطا مع واقع المجتمع والبيئة . كلا هاتين الميزتين يجب أن تؤهلاننا لان نكون أول جامعة افريقية تتمكن من إزالة الكثير من أسباب العزلة التى تعيشها الجامعة الافريقية اليوم وبالتالي لان نصبح رواد تجربة هامة فى الخبرة الجامعية ليس فى أفريقيا وحدها وإنما فى مجال الأسرة الجامعية العالمي.
مما يجدر ذكره ان جامعتنا هذى قد قطعت شوطا فى تحقيق المظهر القومى فى العديد من المجالات اهمها السودنة والدراسات الاضافية وانشاء الوحدات البحثية الخاصة بالسودان كوحدة بحوث السودان – ووحدة بحوث المبانى وربط بعض الكليات بمراكز البحوث الحكومية فى الزراعة والطب والطب البيطري – وفى تكييف لوائح الدرجات العليا لتصبح فى متناول الباحثين العاملين فى مكان عملهم فى المكتب و المعمل والحقل.
هذا من جهة – ومن جهة اخرى نجد ان حصيلة بحوث الجامعة السنوية من حيث الكم والمستوى حصيلة تؤهلها للتفاخر مع الكثير من الجامعات الإفريقية فمتوسط ماينشر من البحوث يفوق المائة وخمسين بحثا فى العام بالاضافة الى نحو عشرين رسالة يتقدم بها طلاب الدراسات العليا لنيل الدكتوراة والماجستير – ولا شك ان هذا العدد سيتضاعف فى المستقبل القريب.
لكن مع هذا وذاك نجد ان الجامعة رغم حصيلتها ومستواها ومظهرها وتاريخها لم تتمكن من إحداث إثر محسوس فى حياة المواطن السوداني عن طريق بحوثها. كما لا نزال نفتقر الى الكثير من النشاطات الثقافية والفكرية ( غير السياسية ) التى تحدث أثرا عميقا فى تفكير واتجاه المجتمع السودانى .
لا أريد ان أرجع عما ذكرت سالفا من أن العمر والخبرة أهم عوامل النضج لكن ما مر علينا من عمر وخبرة يؤهلنا الان للدخول فى التجربة الهامة وهى ربط الجامعة بالمجتمع عن طريق البحث العلمى ربطا واعيا هادفا متأصلا يأخذ احتياجات القطر ومشاكلة في الاعتبار . وعن هذا الطريق تستطيع ان تتخلص من العزلة ونتأصل فى البيئة ونكتسب التقاليد الذاتية المميزة .
وفى نظرى أن الكثير من عزلتنا فى هذا المجال يرجع الى عوامل تتعلق أولا بفلسفتنا تجاه البحث العلمي ثم بعد ذلك بالتنظيم والامكانيات فمن جهة الفلسفة نجد ان نظرتنا الى الحرية الاكاديمية وحرية البحث العلمى جزء منها , لم تنتظم فى مفاهيم محددة أو اتجاهات معينة – فانطلقت اشتاتا من غير قيد أو التزام حتى فى اطار المفاهيم القومية .
الجامعات فى العالم مرتبطه بولاءين ولاء قومى وهذا يأتى فى المرتبة الأولى وولاء عالمي وهذا يأتي في المرتبة الثانية.
وإذا نظرنا الى نظم الجامعات سواء فى الشرق أو الغرب لوجدنا ان أكثرها انتاجا وأثرا تلك التي وفقت بين الحرية الاكاديمية والاتجاه – فالجامعة بطبيعتها والمستقلة خاصة تأبى وترفض الاملاء الخارجي – لكن هذا لايعنى ان الحرية الأكاديمية تتعارض مع دخول الجامعة فى أى اتفاق مع الدولة أو أى مؤسسة اخرى للسير بالبحوث فى خطوط معينة – كما أن الحرية الاكاديمية لا تتنافى مع قيام التنظيمات الداخلية أو المشتركة لتنشيط العمل الجماعي القائم على الرغبة مادام هذا التنظيم يكفل للفرد الحرية ان شاء عدم الانضمام إليه.
بل أن استقلال الجامعة نفسه – وهو حالة ايجابية وليس صفة سلبية يجب ان يستغل لفتح واقتحام سبل الدخول الى المجتمع والدولة بجميع الأبواب التى تدر النفع للبلاد . وفى هذا المجال أود ان أسرد بعضا من التوصيات العديدة التى توصل إليها اجتماع خبراء التعليم العالى العرب الذى دعت اليه منظمة اليونسكو فى بغداد فى أبريل من العام الماضى لبحث موضوع التعليم العالى والتنمية فى الدول العربية والذى كان لى شرف حضوره يقول الخبراء العرب :
*ان على مؤسسات التعليم العالى فى البلاد العربية ان تشارك مشاركة ايجابية فعالة بدراسة المجتمع العربي فى وحداته المختلفة لأغراض التنمية الشاملة وتشخيص مشكلاته وتكوين الوعى بأهميتها والقيام بالبحوث والدراسات لمعالجتها* .
وتقول توصية اخرى :
لكي يتسنى الإسراع فى التنمية الاقتصادية ينبقى لمعاهد التعليم العالى فى الدول العربية الى جانب علاقاتها مع السلطات الوطنية أن تقيم الصلات كذلك مع قطاعات أخرى خارج الجامعة ولاسيما القطاع الصناعى والزراعى وعن طريق التبادل بين الكفاءات المتخصصة وتنظيم مشاريع البحث المشتركة.
وتقول توصية ثالثة ويجدر الاهتمام بصورة خاصة بتنظيم برامج البحث وتمويلها وتنسيقها فكثيرا ما جاءت البحوث الجامعية بصورة فردية ينقصها التنسيق ان خبرات عدد من الدول الصناعية المتقدمة يمكن ان يقود خطانا على هذا الطريق ففى بعض الحالات يخصص عدد من مشروعات البحوث ضمن خطة متكاملة للبحث العلمي ويعهد بها الى هيئات البحوث داخل الجامعة أو خارجها وفى حالات اخرى يعمد الى وضع برامج مشتركة.
ومن هذا المجال الإقليمي الى المجال العالمي ننتقل الى اجتماع كان لى شرف رئاستة نظمته رابطة الجامعات العالمية لسته (6) خبراء عالميين فى النظم الجامعية من روسيا والولايات المتحدة وانجلترا والمانيا وامريكا اللاتينية – ورد فى مجال البحث العلمى مايلى:
إن تنظيم البحث العلمي وفق مشاريع جماعية لا يبدو عاجل الاهمية فى الأقطار الواسعة الثراء مثل امريكا لكنه هام فى الأقطار ذات الثراء المحدود مثل انجلترا والمانيا وضرورة فى الاقطار النامية فى افريقيا وامريكا اللاتينية مما يحتم تنسيق جهود الجامعات فى مجال البحث العلمى مع اجهزه التخطيط الحكومية. *
ويستطرد التقرير:
ان أكثر ما يقلق الجامعات عريقة كانت أم حديثة , هو ان يفهم مما تقدم انصرافها الكلى عن البحث الاساسى وانشغالها الكلى بالبحث التطبيقي اذ أن الخطورة التى تكمن فى هذا الفهم هى فقدان الجامعة للصفة العلمية التى تميزها والتى تربطها بذخيرة المعرفة الإنسانية عامة وبناء على ذلك ولكي لا تنحرف الاجهزة الحكومية الى تقييم كل البحوث بالاعتبارات العاجلة النفع يترتب على الجامعات نفسها تلمس الطريق الى ارشاد الحكومات الى أهمية البحوث النظرية والاساسية ذلك لان مسئولية الجامعة القومية والعالمية تحتم عليها الاهتمام بهذا النوع من البحوث.
إذا سلمنا بأن ما تقدم يعكس خبرة الجامعات الاخرى واتجاهاتها نجد بالمقارنة ان اهم ما ينقص فلسفتنا هو الاتجاه المتكامل فى دقة بحوثنا سواء كان ذلك على مستوى الاقسام داخل الكليات أو على مستوى الكليات مع بعضها داخل الجامعة أو على مستوى الجامعة والبلد ككل.
وإذا امنا بفلسفة التكامل في مجال البحوث تصبح أمامنا مسألتان الأولى تتعلق بالتنظيم الذي يكفل تحريك هذه الفلسفة على جميع المستويات داخل وخارج الجامعة والثانية المال الذي يضمن تحقيق الأهداف.
فيما يختص بـ التنظيم فالمعروف ان مجلس البحوث القومي والمجالس التخصصية التى أقر قانونها حديثا سوف ترعى السياسات العامة للبحوث إذا ما وجدت الباحثين والطاقات المنفذة اللازمين.
والذي أراه هو أن تتجاوب الجامعة مع هذا الاتجاه بأن تخلق مجلسا للبحوث فى داخلها يشترك فى تكوينه نفر من ذوى الخبرة الواسعة من خارجها وتكون مهمة المجلس دراسة وتشجيع مشاريع البحث التضامنى ذات الصبغة والفائدة القومية . وتوزع الصرف عليها وتغذية لجنة الدراسات العليا بالمنح التى تشجع طلاب الدراسات العليا لمعالجة ودراسة مواضيع معينة تتعلق بالمسائل القومية – علمية أو فنية أو ادبية أو اجتماعية وان يغذى هذا المجلس مجالس على مستوى الكليات تضم الى جانب الاساتذة ممثلين من أصحاب الاختصاص من القطاعين العام والخاص وتكون مهمة هذه المجالس أو اللجان دراسة ووضع المشاريع المتكاملة التى عن طريقها تتمكن الكلية من الاسهام المباشر فى تنمية المجتمع والبيئه . وتقدم المشاريع المدروسة من قبل الكليات الى مجلس البحوث الجامعى المركزى لتمويلها ولكي تمضي الجامعة فى تشجيع البحوث الأساسية النظرية ذات الصبغة الأكاديمية البحتة التى يعالجها الأفراد والتى قد لا يكون لها صلة مباشرة عاجلة بالمجتمع تبقى لجنة البحوث القائمة الآن للعناية بهذه الناحية الهامة تعميق لروح البحث وارتباطا بالحقيقة .
هذا ومما لا شك فيه ان أى تنظيم لن يكون ذا فاعلية مالم تسنده الدولة بالمال فى ميزانية قائمة بنفسها لتمكن من تجنيد القوى البشرية المؤهلة تأهيلا علميا ومن تفرغ بعض المختصين تفرغا كاملا للبحوث والدراسات وبذلك تتمكن الجامعة من السير قدما بهذه الرسالة الأساسية اللازمة لها و لمجتمعها.
سيدي الرئيس، سادتي
ان ماتقدمت به من حديث ومن مقترحات تحتاج الى التفصيل والى الغربلة والتمحيص وكما هو معلوم فإن طرفا من هذه المقترحات كان ولا يزال موضع الاهتمام من أجهزة الجامعة خاصة ذلك الجزء المتعلق باللجان الكليات.
ثم إنني يا سيدي الرئيس وزملائى لندرك أنه مهما وضعنا من تنظيم وأعددنا من مال فأن الأداء مرتكز على الايمان ’ ايمان الأساتذة وهو حجر الرحى – برسالتهم واستشعارهم الكامل لمسؤولياتهم القومية فهم يعلمون قبل غيرهم ان سودنة الوظائف لا يعنى سودنة الجامعة، سودنة الوظائف هى المظهر أما الجوهر فهو سودنة المحتوى العلمى بفلسفته و برامجه وبحوثة والوسيلة الأولى لذلك هم الأساتذة وبخاصة السودانيين فلنسأل الله التوفيق.
ختاما لكم شكرى وامتنانى
والسلام
18/فبراير/1969م