26/06/2026
من أخطر ما ابتُليت به الأمة عبر تاريخها، وابتُلينا به في زماننا على وجهٍ أشدّ وأوسع انتشارًا، أن تتحول المواقف التاريخية إلى ساحات شحنٍ عاطفي، وأن تصير الوقائع التي وقعت بين الصحابة رضي الله عنهم مادةً للجدل، والخصام، والطعن، والتشفي، وكأننا أمام حادثة سياسية عادية يمكن قراءتها بعينٍ باردةٍ منفصلة عن مقام أصحاب رسول الله ﷺ، وعن ظروفهم، وعن القواعد الشرعية التي تضبط النظر إليها. وهذا في الحقيقة من أعظم أبواب الانحراف في الفهم، لأنه لا يسيء إلى أشخاصٍ مضوا فحسب، بل يهدد نظرة المسلم إلى الدين نفسه، وإلى السلسلة المباركة التي حملت الوحي، وبلغته، وضحّت في سبيله.
إن الكلام في ما شجر بين الصحابة ليس بابًا من أبواب المعرفة المجردة، ولا تمرينًا ذهنيًا، ولا سباقًا لإظهار الذكاء في تحليل التاريخ. إنه بابٌ دقيق، حساس، خطير، يحتاج إلى علمٍ راسخ، وتقوى صادقة، وبصيرةٍ تعرف متى تتكلم ومتى تمسك. وقد وجدنا في سيرة أولئك الكرام من الصحابة من اختاروا التورع والاعتزال في الفتن، لا جبنًا ولا هروبًا، ولكن ورعًا واحتياطًا للدين، وإدراكًا عميقًا لخطورة الدماء حين تختلط بالشبهات، ولخطورة الانجراف وراء التأويلات حين يصبح الحق ملتبسًا على كثير من الناس.
إن الصحابة عاشوا أحداثًا لم تكن مجرد صفحات باردة في كتاب، بل كانت وقائع مملوءة بالدموع والآلام والاضطراب والاختبار. وكانوا، وهم أهل فضلٍ وسبقٍ وجهاد، يدركون أن الإنسان إذا دخل في الفتنة قد يجرّ إلى نفسه وإلى غيره ما لا يحسن دفعه بعد ذلك. ولذلك لم يكن امتناع بعضهم عن المشاركة في بعض المواقف موقفًا من الضعف، بل كان نوعًا من العبادة، ومن التورع، ومن تعظيم حرمة الدماء، ومن خوف الله تعالى. فالذي يقرأ التاريخ بعينٍ سطحية قد يتعجل الحكم، أما الذي يقرأه بعينٍ شرعيةٍ رحيمةٍ متبصرةٍ فإنه يفهم أن من ترك القتال حين اختلطت الأمور قد يكون أقرب إلى السلامة من كثيرٍ ممن اندفعوا بحسن نية أو بغيرها.
لقد كان الحديث النبوي الشريف حاضرًا في وعيهم حضور الرادع الحيّ، لا حضور النص المحفوظ فقط. حين يقول النبي ﷺ: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»، فهو لا يخاطب أمةً منزوعة التجربة، بل يخاطب أمةً ستبتلى بالفتن، وتحتاج إلى ما يعصمها من الانزلاق إلى استباحة الدم المسلم. وهذا التحذير النبوي العظيم ليس مجرد إدانة للعنف، بل هو تأسيس لوعيٍ كامل: أن حرمة المسلم ليست أمرًا هينًا، وأن الكلمة التي تفتح باب الدم ليست كالكلمة التي تُقال في لحظة فراغ. ومن هنا كان التورع عن الخوض في الفتن، والابتعاد عن تأجيجها، والميل إلى الصمت حين يكون الصمت أرجح، من أعظم صور الفقه في الدين.
ثم إن من أصول هذا الباب ما قرّره العلماء تحت عنوان: الإمساك عما شجر بين الصحابة. وهذه القاعدة ليست ترفًا علميًا، ولا موقفًا عاطفيًا، ولا دعوةً إلى تعطيل العقل. إنها قاعدة تحفظ العقيدة من التصدع، وتحفظ القلوب من امتلاء الضغائن، وتحفظ الأمة من أن تجعل من صفحاتها الأولى سلاحًا في يد المتربصين. فأيُّ أمةٍ تستطيع أن تبقى متماسكة إذا صارت تنظر إلى حملة دينها الأوائل بعين الاتهام الدائم؟ وأيُّ ثقةٍ تبقى في النقل، وفي السنة، وفي السيرة، إذا كانت الألسنة تتطاول على الرجال الذين نقلوا القرآن، وسمعوا الوحي من فم النبي ﷺ، وعاشوا اللحظة المؤسسة للدين؟
إن الطعن في الصحابة ليس مجرد خطأ تاريخي؛ إنه تهديد بنيوي لفكرة الدين عند الناس. لأن الصحابة هم الجسر الذي عبر عليه الإسلام إلينا. فإذا هُدم الجسر أو زُعزعت الثقة به، فكيف يصل البناء إلى من بعدهم؟ ولهذا كان أهل السنة عبر القرون شديدي التحذير من الوقيعة في أصحاب رسول الله ﷺ، لا لأنهم يقدسون الخطأ، ولا لأنهم يمنعون من فهم التاريخ، بل لأنهم يعرفون أن الإنصاف يقتضي الجمع بين فضل الصحبة، وسابقة الإيمان، والجهاد، والهجرة، والنصرة، وبين ما وقع منهم في زمن الفتنة من اجتهادات يخفى كثيرٌ من وجوهها على من جاء بعدهم بقرون.
و. لنكن واضحين : ليس كل من تكلم في التاريخ يطلب الحق. فبعض الناس يدخل إلى هذه الملفات وفي قلبه ميلٌ مسبق إلى الإثارة، أو إلى تصفية الحسابات المذهبية، أو إلى شدّ الانتباه، أو إلى بناء هويةٍ قائمة على المخالفة والاعتراض. وهنا يكمن الخطر. لأن الكلام حين يفقد التقوى يتحول من بحثٍ عن الحق إلى أداةٍ لإنتاج الفتنة. وما أكثر ما رأينا في عصرنا من قضايا تاريخية أعيد إخراجها من كتبها، لا لتُفهم، بل لتُستخدم وقودًا للخصومة، وإعادة تشكيل العداوات، وإثارة الشكوك في قلوب الشباب، حتى يظنّ بعضهم أن التديّن لا يكتمل إلا بالوقيعة، وأن الحماسة للحق لا تكون إلا بتكفير هذا، ولعن ذاك، والطعن في ثالث، وكأن الدين صار خطاب غضبٍ لا خطاب هداية.
لذلك ينبغي أن نقف طويلًا عند فتنة اللسان. فاللسان، في ميزان الشرع، ليس مجرد عضوٍ صغير يتحرك في الفم، بل هو سلاحٌ خطير، قد يبني وقد يهدم، قد يصلح وقد يفسد، قد يرفع صاحبه في الدرجات أو يهوي به في الدركات. وقد جاء في الحديث الشريف: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم»؛ وهذا من أصرح ما يكون في التحذير من الاستهانة بالكلام. فما بالك بكلمةٍ تُطلق في حق صحابي جليل، أو تُقال في مقامٍ تاريخي حساس، أو تُنشر في فضاءٍ مفتوح فتصل إلى آلاف وربما ملايين، فتثير فيهم الشك، وتزرع في قلوبهم الحقد، وتحوّل الدين من مصدر سكينة إلى ساحة صراع؟
إن كثيرًا من الناس يظن أن الخطر في الدم وحده، وأن الفتنة لا تكون إلا إذا حمل الناس السلاح. وهذا فهم ناقص. لأن الفتنة قد تبدأ بكلمة، ثم تعليق، ثم منشور، ثم إعادة نشر، ثم سخرية، ثم تهكم، ثم تحزّب، ثم تشرذم. وما كان هذا ليحدث لولا أن اللسان استُبيح، وأن الناس نسوا أن الكلام مسؤولية. بل إن من أخطر ما في هذا العصر أن الكلمة لم تعد تموت بموت قائلها، ولا تُنسى بسهولة، بل تُحفظ، وتُعاد، وتنتشر، ويُبنى عليها مزيدٌ من الشحن والخصومة. ولهذا كان ضبط اللسان في زمننا أشد إلحاحًا من كل زمن مضى.
فإذا عدنا إلى قاعدة الإمساك، وجدنا أنها ليست فقط موقفًا من الماضي، بل هي منهجٌ للحاضر والمستقبل. فهي تقول للمسلم: لا تجعل التاريخ ميدانًا لتفريغ الانفعالات. ولا تحوّل أسماء الصحابة إلى وقودٍ لتغذية الخصومات. ولا تظن أن كل معرفةٍ نافعة، فبعض المعرفة إن لم تُضبط بعلمٍ وتقوى تحولت إلى فتنة. لقد كان السلف يقولون: العلم ما نفع، لا ما أكثر الجدل. والعبرة ليست في كثرة المعلومات، بل في أثرها على القلب والعمل. فإذا كان الكلام عن الفتن القديمة سيزيدك بغضًا، أو يجرك إلى سبٍّ، أو يحملك على الطعن في أهل الفضل، أو يفتح عليك باب سوء الظن بالجيل الذي نقل لك الدين، فاعلم أن هذا بابٌ ينبغي أن يُغلق، لا أن يُفتّح.
ومن الإنصاف أيضًا أن نذكر أن التاريخ الإسلامي ليس مجموعةً من الملائكة، ولا من البشر المعصومين غير النبي ﷺ، بل هو تاريخ رجالٍ صالحين مجتهدين، يخطئون ويصيبون، لكن خطأهم لا يُعامل كما يُعامل خطأ غيرهم ممن لا سابقة لهم ولا فضل ولا صحبة. هذا فارقٌ جوهري. فالصحابي إذا اجتهد فأخطأ، فإن منزلته السابقة ونيته الصالحة وجهاده وصدق إيمانه، كلها تمنع من إطلاق أحكامٍ قاسيةٍ عليه، كما تمنع من تحويله إلى مثالٍ للهوى والخصومة. ولذلك كان منهج السلف قائمًا على العدل الكامل: لا غلوّ في التقديس، ولا ظلم في التبخيس.
ومن هنا نفهم قول الله تعالى: «تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون». هذه الآية تختصر كثيرًا من الفوضى التي يقع فيها الناس حين يحاولون أن يعيشوا داخل خصومات أجيالٍ سابقة، وكأنهم مكلّفون أن يكونوا قضاة على نياتهم وأحكامهم ومواقفهم. الآية تعلّمنا أن لكل جيلٍ حسابه، ولكل إنسانٍ عمله، وأن وظيفتنا ليست أن نُشعل ما انطفأ، بل أن نصلح ما بين أيدينا. نعم، ندرس التاريخ، ونتعلم منه، ونأخذ العبرة، لكننا لا نحوله إلى محكمةٍ دائمة تُساق إليها أجيال الصحابة مرارًا وتكرارًا بلا ورعٍ ولا إنصاف.
وإذا قررنا أن ننظر إلى المسألة بعينٍ عقليةٍ مجردة، وجدنا أن الطعن في الجيل الأول لا يخدم إلا التشويش. لأن كل دينٍ يحتاج إلى سلسلة ثقة. فإذا كسر الإنسان الثقة في سلسلة الناقلين، فبأي وجهٍ سيبقى متمسكًا بما وصل إليه؟ أليس من التناقض أن يؤمن المرء بالنص الذي وصل إليه عبر رجالٍ يطعن في عدالتهم؟ أليس من التناقض أن يتعبد لله تعالى بالسنة، ثم يجعل همّه دائمًا في تفكيك أصحابها والطعن في من سمعها وحفظها ونقلها؟ لهذا كان حفظ مكانة الصحابة ليس مجرد حساسية عاطفية، بل ضرورة معرفية وعقدية. فمن يطعن فيهم يهدم الأساس الذي يقف عليه.
و لنضرب صفحا عن الفتنة حين تُثار تحت عنوان “التحقيق العلمي” التي تكون أشد خطرًا، لأنها تتزيّن بثوب الموضوعية وهي في حقيقتها تسعى إلى الإثارة. فليس كل من تحدث بلغة هادئة يكون منصفًا، وليس كل من استعمل المصطلحات الدقيقة يكون عالمًا. قد يلبس الهوى ثوب التحليل، وقد يلبس التعصب ثوب النقد، وقد يُستخدم التاريخ أحيانًا لإعادة إنتاج رواياتٍ موجهةٍ تُحرّك العامة نحو الشك والتنازع. ولهذا كان واجب المسلم أن يميز بين البحث العلمي المعتبر، وبين الجدل الذي لا يراد به إلا تعميق الشقاق. وليس من الحكمة أن نضع أنفسنا في كل معركة فكرية، ولا أن نتوهم أن المشاركة في كل نقاشٍ تُثبت غيرتنا على الدين. أحيانًا يكون الصمت أنبل، وأحيانًا يكون الانصراف أحكم، وأحيانًا يكون الاكتفاء بقول: “الله أعلم، وأمسك عما لا ينفع” هو عين الفقه.
أدرك العلماء هذه الحقيقة، فبنوا حولها سياجًا من النصوص والقواعد. فمنهم من شدد في التحذير من ذكر الصحابة بسوء، ومنهم من جعل الطعن فيهم علامةً على فساد النية والمنهج. وهذا التشديد ليس عاطفةً عابرة، بل هو فقهٌ في حفظ الأصل. لأنك إذا سمحت لنفسك أن تتساهل في مقامهم، فشيئًا فشيئًا ستتساهل في مقام النص، ثم مقام الفهم، ثم مقام الأحكام، حتى تصبح العقيدة كلها عرضةً للتأويلات المنفلتة. وما أكثر من بدأ بخطوةٍ صغيرة في باب التشكيك، ثم وجد نفسه بعد سنواتٍ في آخر الطريق، وقد صار لا يثق بشيء.
إن واجبنا اليوم ليس أن نكون “محكمة تفتيش” في نوايا رجالٍ عاشوا قبل قرون، بل أن نتعلم كيف نتعامل مع اختلافاتنا المعاصرة دون أن نتحول إلى نسخة جديدة من الفتنة القديمة. فالعبرة بالمعنى، لا باستنساخ الوقائع. وما أحرانا أن نسأل أنفسنا: ماذا صنعت هذه المعرفة في قلبي؟ هل زادتني تعظيمًا للحق، أم جرّتني إلى احتقار المسلمين؟ هل جعلتني أحسن الظن، أم غرست فيّ الغلظة؟ هل رفعتني إلى العمل الصالح، أم شغلتني بما لا ينفع؟ هذه الأسئلة أهم من أسئلة الاستعراض التاريخي، لأنها تنقل المسألة من مستوى الجدل إلى مستوى تزكية النفس.
ومما يؤكد هذا المعنى أن الوقوع في الفتنة باللسان ليس مجرد خطأ نظري، بل هو بابٌ لفتنٍ اجتماعيةٍ وثقافيةٍ متجددة. انظر إلى الواقع: كم من مجلسٍ كان وديعًا فصار مشحونًا بسبب كلمة؟ وكم من صداقةٍ تفرقت بسبب منشورٍ؟ وكم من بيتٍ توتر لأن أحدًا أرسل مقطعًا أو تعليقًا أو عبارةً مستفزة؟ فكيف إذا كان الحديث في أصلٍ من أصول الدين، وفي رجالٍ لهم في قلوب المؤمنين مقامٌ عظيم؟ هنا يصبح التروّي واجبًا، والحذر عبادة، وكفّ اللسان من علامات العقل والدين.
وليس معنى هذا أننا ندعو إلى الجهل أو تعطيل النظر، كلا. بل ندعو إلى ترتيب الأولويات. فالأولوية أن نعرف ما ينفعنا في ديننا، أن نتعلم أحكام الصلاة والصيام، أن نصلح أخلاقنا، أن نرعى أسرنا، أن نُحسن إلى الناس، أن نبتعد عن الغيبة والهمز واللمز، أن نُحيي قلوبنا بالذكر والقرآن. أما أن نغوص في فصولٍ تاريخيةٍ لا تزيدنا إلا اضطرابًا، ثم نظن أن ذلك من العلم، فهذا هو الوهم بعينه. العلم الحقيقي يزيد الإنسان ورعًا، وتواضعًا، وإنصافًا، لا جدالًا وغلظةً وتسرعًا.
ومن المنهج العملي في هذا الباب أن نربي أنفسنا على قاعدة بسيطة لكنها نافعة: كل كلامٍ يفتح باب شرٍ أعظم من نفعه فالأولى تركه. وكل نقاشٍ يورث بغضًا لصحابة رسول الله ﷺ أو شكًا في حملتهم أو استخفافًا بمقامهم فهو نقاشٌ ينبغي إغلاقه. وكل محتوى يستهزئ بالأئمة أو يهوّن من قواعد أهل السنة في الإمساك والورع، فلا ينبغي استهلاكه ولا ترويجه. وعلى المؤمن أن يختار بيئته المعرفية كما يختار غذاءه؛ فكما لا يضع في فمه ما يفسد بدنه، لا يضع في عقله وقلبه ما يفسد دينه.
وقد يقول قائل: أليس من حقنا أن نفهم التاريخ؟ بلى، من حقنا أن نفهمه، لكن الفهم شيء، والتحريض شيء آخر. الفهم يطلب الإنصاف، والتأمل، والاستفادة، ومراعاة السياق، والاعتراف بحدود العلم. أما التحريض فينتقي من التاريخ ما يغذي الخصومة، ثم يلبسه ثوب “الوعي”. وبينهما فرقٌ شاسع. ونحن حين نُمسك عما شجر بين الصحابة لا نهرب من الحقيقة، بل نحمي الحقيقة من أن تُستعمل في غير موضعها. وهذا من صميم العقل، لا من نقيضه.
ثم إن من أعظم ما يورث الطمأنينة في هذا الباب أن نستحضر فضل الصحابة الكرام، وأن نعرف أنهم بشرٌ ليسوا معصومين، لكنهم من خير البشر بعد الأنبياء. هم الذين جاهدوا، وهاجروا، وصبروا، ونصروا، وبلغوا، وحملوا الدين إلينا. فهل يعقل أن يكون وفاؤنا لهم هو فتح صفحات الاتهام الدائم؟ إن من الوفاء أن نذكر فضائلهم، وأن ندعو لهم، وأن نتأدب عند ذكرهم، وأن نكف عما وقع بينهم مما لا نملك به علمًا يورث العمل. أما أن نستل من التاريخ ما يشعل القلوب، ثم نزعم أننا نبحث عن الإنصاف، فذلك من خداع النفس.
إن الأمة اليوم تحتاج إلى خطابٍ يُطفئ لا يُشعل، يجمع لا يفرق، يبني لا يهدم. تحتاج إلى من يذكرها بأن خصومتها الحقيقية ليست مع الماضي، بل مع الجهل، ومع الشهوات، ومع الظلم، ومع التباغض، ومع الكلمة التي تخرج بلا عقل فتفسد ما لا يصلحه الصراخ بعد ذلك. ومن هنا فإن التزامنا بقاعدة الإمساك ليس موقفًا سلبيًا، بل هو موقفٌ إيجابي جدًا؛ لأنه يحرر القلب، ويصون اللسان، ويجعل الإنسان مشغولًا بما ينفعه في دينه ودنياه. كم من ساعاتٍ ضاعت في جدالاتٍ لم ترفع صاحبها درجة، ولم تُصلح قلبًا، ولم تُطعم جائعًا، ولم تُداوِ مريضًا، ولم تُصلح ذات البين. وكم من ساعةٍ صرفها المرء في تعلمٍ نافع، أو عملٍ صالح، أو إصلاحٍ بين الناس، فكانت له زادًا يوم يلقى الله.
و أريد أن أؤكد بوضوح: ليست الشجاعة أن تقتحم كل فتنة، ولا أن تكتب في كل موضوع، ولا أن تُبدي رأيًا في كل معركة. الشجاعة الحقيقية أحيانًا أن تعرف متى تتوقف، وأن تضع لسانك حيث يرضى الله، وأن ترد نفسك عند حدود الأدب الشرعي، وأن تقول: هذا ما لا أستطيع أن أخوض فيه، لأن ديني أغلى من رغبتي في الحديث. وهذه مرتبة عالية من مراتب الإيمان؛ لأن النفس تحب الكلام، وتحب الظهور، وتحب أن تُحسب على “المعرفة”، لكن المؤمن الحق يزن كل ذلك بميزان الآخرة.
ومن تمام هذا الموقف أن نُربّي أبناءنا وشبابنا على حب الصحابة، وعلى فهم الاختلاف من خلال القواعد الشرعية لا من خلال الإثارة الإعلامية. وأن نعلمهم أن القراءة في التاريخ ينبغي أن تكون تحت إشراف العلم، لا تحت تأثير المقاطع المقتطعة والمنشورات المستفزة. وأن نغرس فيهم أن الاعتزاز بالدين لا يعني الطعن في أهله، وأن فهم الفتنة لا يعني إعادة إشعالها، وأن حب الحق لا يقتضي إهانة من سبقونا في حمله. هذه تربية تبني أمةً متماسكة، لا جمهورًا متناقضًا يتغذى على الجدل.
وفي الختام، فإننا إذا أردنا تلخيص هذا المنهج كله في جملةٍ جامعةٍ، قلنا: إن الواجب تجاه ما شجر بين الصحابة هو العدل، والتوقير، والإمساك عما لا ينفع، والاشتغال بما ينفع. نأخذ العبرة من التاريخ، ولا نُحوّله إلى سلاح. نقرأ الأحداث بعلمٍ، لا بشهوة خصومة. نعظم حملة الدين، ونحذر من فتنة اللسان، ونلتزم بقول الله تعالى: «تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون».
اللهم طهر قلوبنا من الغل، وألسنتنا من الزلل، وأبصارنا من الخيانة، واجعلنا من أهل الإنصاف، ومن المتبعين لا المبتدعين، ومن المحسنين الظن بأصحاب نبيك ﷺ، ومن الكافين ألسنتهم عما لا يرضيك. اللهم اجمعنا بنبيك محمد ﷺ وصحابته الكرام في جنات النعيم، غير خزايا ولا مفتونين، واجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.