26/07/2022
كتب أستاذ العلوم عدنان جمعة الأحمد:
الجميلية ،مدينة على الطراز الاوروبي
لم يكن من السهل إقناع الحلبي أن يترك حارته ويسكن في (الآط) بسهوله، والآط كلمة تركية تعني الطابق .
ولكن حريق حلب عام ١٨٧٢ كان له أثر كبير في نفوس اهل حلب ،وغير قناعاتهم بضرورة وجود شوارع عريضة تسهل وصول فرق الإطفاء .
وبدأ المخطط التنظيمي لبناء مدينة حديثة على الطراز الاوروبي .
كانت عيون الحكام والمهندسين تنظر نحو الغرب ،حيث لايوجد سوى حي المشارقة . والى جواره بساتين تابعة لجامع العصمانية ،يستفيد من ريعها وقف الجامع لتمويل طلاب العلم .
ولم تكن الأمور وردية اللون كما نظن ،بل كان هناك صراع مرير بين اغنياء حلب ومابين الولاة العثمانيين المتعاقبين .
والمخطط التنظيمي كان شاملا ،ويحصر المنطقة بين النهر وسكة القطار الحجازي .
ولقد وصل حينها الى حلب اختراع التلغراف ،واقيمت دائرة البرق والبريد قرب جامع السهروردي آخر التلل ،وكان يرعاها مبنى النافعة وهو ايضا في آخر التلل .
ومبنى النافعة كان مرتبط بالالمان الذين سعو إلى السيطرة على الشرق من خلال التكنولوجيا ،وانشاء سكك الحديد ،ويعتبر مبنى النافعة الذي أسسه نافع بك الجابري وبعض اغنياء حلب منافسا للوالي .
وبعد انتهاء المخطط التنظيمي حصل خلاف بين نافع بك والوالي على طريقة التعاقد من أجل إتمام مشروع بناء الجميلية .
وكان الوالي جميل باشا يريد أن يستأثر بكافة العقود ويحرم الأغنياء من تحريك أموالهم والاستثمار في المشروع ،فقام بزج نافع الجابري في السجن بتهمة واهية ،كما سجن اغنياء آل الكيخيا ،ووصل الصراع إلى ذروته بين الوالي والنافعة .
وعندما تدخل المحامي عبد الرحمن الكواكبي لصالح النافعة ،اتهمه الوالي بالعمالة للإنكليز وزج به هو الآخر في السجن ،وكان الوالي يخطط لقتل نافع بك الجابري خلال سجنه.
لكن علاقات عبد الرحمن الكواكبي مع مبنى البريد والبرق جعلته يسرب برقيات الى الباب العالي ويشرح فيها ظلم الوالي جميل باشا لاغنياء حلب .
وكان الباب العالي يقف على مسافة واحدة من الوالي والنافعة ،فارسل لجنة للتحقيق بمظالم الوالي ،وادت إلى عزل جميل باشا وتعيينه واليا على الحجاز،وافرج السلطان عبد الحميد عن الكواكبي وال الكيخيا ونافع بك الجابري .
بدأ العمل في مشروع الجميلية ،الذي كان له أثر كبير في أحياء حلب عموما ،والمشارقة خصوصا ،فقد كان بالنسبة لاهالي المشارقة طوق النجاة الذي ساعدهم في الحصول على أعمال النقل والامدادات ،فقد كانوا يعملون في الماضي على نقل وتجارة الفاكهة ،وصاروا يعملون في نقل الحجارة والاسمنت ليل نهار ،وتضخم أسطول العربات وزاد عدد البغال ،واكتظت اسطبلات المشارقة بالبغال والعربات .
كما نهضت التجارة في باب أنطاكية ،وعادت الحياة الى الكلاسة وبدأ ازميلها يعمل من جديد.
وتحول اهل المشارقة الى كبار (الشحينة) ليس على مستوى حلب ،بل على مستوى جميع البلدان المحيطة.
انتقل الكثير من تجار الكتب والمخطوطات في باب النصر الى الجميلية ،وذلك ليكونوا قريبين من مدرسة التجهيز ،كما بنى الأغنياء لهم قصورا في هذا الحي الجديد.
اختفى بعد الجميلية البناء الحلبي الذي يعتمد على القناطر (الكلين) ،وحل محله السقف الاسمنتي المدعم بالعوارض على شكل حرف (H) حيث لم تكن اسياخ البيتون التقليدية قد انتشرت بعد.
تغيرت نظرة الحلبي إلى أهمية امتلاك الأراضي ،فلم بعد ينظر إلى الأرض على أنها دفن المال في البرية حيث تعوي الذئاب،فصار يشتري ويستثمر في الأراضي غرب سكة الحجاز ،ووصل به الأمر أن يشتري في خان العسل واريحا ،وحتى البدروسية ورأس البسيط ،التي صارت وجهته المفضلة فيما بعد.
ظهر بعد الجميلية مفهوم (مابتعرف قرعة ابو منين) للدلالة على توسع العلاقات وعدم اقتصارها على العلاقات العائلية ضمن الحارة الواحدة .
وبخسارة المانيا الحرب الاولى تم تحطيم سكة الحجاز على يد الإنكليز ،وفقد القطار شعبيته .
وبخسارة المانيا الحرب الثانية لم تعد تهتم بمصير الطراماي في حلب ،وانشغلت في مشاكلها ،وتعرضت الطراماي لسوء الإدارة وندرة الصيانة والاهمال ،وكان أن توقفت تماما في مطلع السبعينات.
إن الجميلية هي حي حلبي يحكي لنا تاريخ الصراع العالمي على السيطرة في الشرق .
عدنان جمعة الاحمد