06/24/2026
#الجزء الأخير #حساب الشادر القديم
كانت العاصفة الرعدية تنهش جدران مركز الشرطة بنباحٍ مكتوم، والرياح العاتية المحملة بقطرات المطر الغزيرة تحجب الرؤية تماماً كأكفانٍ طائرة تطوق المبنى المعزول في أحضان مدينة زفتى. انقطاع التيار الكهربائي المفاجئ لم يكن عطلاً عادياً؛ بل كان الستار الأسود الذي أرخاه القدر لتنفيذ المشهد الأخير من ملحمة الدم والسكر والطوب. في ذلك الظلام اللزج الحالك، تلاشت الأصوات كلها ولم يتبقَّ سوى صفير الرياح الخارجي، وصوت تلك الخطوات الثقيلة المتقاربة التي كانت تقترب من زنزانة الحجز في الطابق الأرضي. خطوات رجل يجر خلفه إرثاً من الغل وعقوداً من القهر، يتصاعد معها صوت حفيف معدني مقزز.. صوت "السلك المعدني الرفيع" وهو يحتك ببطء في جدران الممر المظلم.
"سعد! اقطع الممر الخلفي من ناحية مخرج الطوارئ! القاتل جوه!" صرختُ بأعلى صوتي وأنا أهبط الدرج الخرساني في العتمة، مستعيناً بالذاكرة الجغرافية للمكان، ومصوباً طبنجتي الميري أمامي بجنون.
ضغطتُ على زر كشافي اليدوي، لينطلق شعاع أبيض ضيق مزق جدار الظلام. تراقص الضوء على الجدران المقشرة حتى استقر مباشرة على باب زنزانة الاستجواب حيث يقبع المقاول "عبد الستار الجبالي". الباب الحديدي كان مفتوحاً؛ فالقاتل لم يكن بحاجة لكسره، بل كان يملك مفاتيح الممر بحكم تواجده المريب داخل القسم مستغلاً حالة الفوضى والعاصفة. وفي داخل الزنزانة، تحت الضوء المهتز، تجسد مشهدٌ يحبس الأنفاس.
كان عبد الستار الجبالي منبطحاً على أرضية الزنزانة الباردة، متراجعاً إلى أقصى الزاوية، ملتصقاً بالجدار وهو ينشج بهيستيريا بالغة، وقد شُلّ لسانه عن الصراخ من فرط الرعب. وفوقه، كان ينحني قوام لقمة نحيلة متشحة بجاكيت داكن ثقيل وقبعة صوفية تواري الملامح. في اليد اليمنى للشبح، التمع السلك المعدني الرفيع، يرفعه في الهواء مستعداً لفه حول عنق عبد الستار لينهي النقلة الرابعة ويدفن السر الأخير.
"اقف مكانك! ارمي السلاح!" زعقتُ وأنا أثبّت الكشاف في عينيه تماماً لأصيبه بالعمى المؤقت.
تحرك الشبح بسرعة خارقة تفوق عمره الظاهري، والتفت نحوي ملوحاً بالسلك المعدني بضربة يائسة. لم يكن هناك وقت للمناورة؛ اندفعتُ نحوه بكل ثقلي، والتحمنا في معركة خاطفة وسط الظلام. لم أطلق الرصاص حتى لا أصيب عبد الستار المنقوع في رعبه. أطلق الشبح صرخة مكتومة عندما التوى معصمه تحت ضغط يدي، وسقط على الأرضية البلاطية بصلابة، متخلياً عن سلكه الذي رن في العتمة بصوت معدني حاد. وفي لمح البصر، انقض عليه الرائد سعد وثبّت معصميه خلف ظهره بعنف، بينما اندفعتُ أنا ونزعت القبعة الصوفية عن وجهه بضربة واحدة من يدي. ومع عودة التيار الكهربائي فجأة، كأن ضوءاً مسرحياً كاشفاً يرفض استمرار المؤامرة، انقشع القناع ليتجلى وجه هز كل يقين عشنا فيه طوال الأيام الماضية في الغربية.
لم يكن "مدحت عصفور" العائد من القبر، ولم يكن شبحاً يرتدي هوية ميت.. الرجل الذي كان يتنفس بصعوبة، والدموع تنهمر من عينيه المليئتين بغضب جحيمي، كان "عم عبده البوفهجي".. العجوز الغلبان الذي كان يصنع لنا الشاي والقهوة في مكتب المحامي المحروق رشاد البدوي، ومن قبلها كان يعمل لسنوات في شوادر حلوى المولد في طنطا! الشخص الذي كان يتحرك بيننا كأنه الحمل الوديع والظل غير المرئي!
زنزانة الاعتراف: صرخة الدم المر
أُعيد عم عبده إلى مكتب التحقيق الرئيسي بعدما تم تكبيله بالحديد. جُلب السلك المعدني، والمادة الكيميائية اللاصقة، وقالب الطوب الأحمر المحفور، وضُعت كلها أمامه على الطاولة. جلس العجوز على المقعد الحديدي، منحنياً، متعباً، لكن كبرياء المظلوم لم يفارقه؛ كان ينظر إلى أدوات جريمته بنظرة حسرة تذيب الصخر.
جلستُ أمامه، وسندت يدي على الطاولة، وقلت له بصوت يملأه الحزن: "عم عبده.. يا راجل يا طيب، اللي بنأمنه على مكاتبنا وأسرارنا.. تطلع إنت الجزار اللي صفى تلاتة وكنت هتموت الرابع؟ إزاي بصمات 'مدحت عصفور' الميت من عشر سنين تطلع على السلاح بالملي؟ أنطق يا عجوز.. إيه السر؟"
رفع عبده رأسه، وانفجرت من أعماقه صرخة مريرة، صرخة هزت جدران المكتب والشرخ الذي في السقف، وبكى بدموع حارة حفرت مجاريها وسط تجاعيد وجهه الصخري، وصاح بصوت جهوري متهدج بلكنة أهل طنطا المقهورة:
"مدحت عصفور ماماتش في حادثة قطر عادية يا محمود بيه! مدحت كان ابني أنا! ابني الوحيد، ضهر الصبا ونور عيني.. اسمه الحقيقي كان 'أحمد'، بس كان شغال مع مدحت عصفور في معامل الكيميا وصناعة المواد غير المرخصة.. ابني كان عبقري كيميا، غلبان وعلى نياته، أخدوه الكلاب دول—الحاج غريب والمهندس شاكر والمحامي رشاد—وشغلوه معاهم تحت بئر السلم في مصنع الطوب السري عشان يطبخ لهم مواد كيميائية ومذيبات تستخدم في تنظيف الآثار اللي بيحفروها ويطلعوها من تحت الأرض. ولما الحفرة انهارت ومات العمال الأربعة، ابني ضميره صحي، بكي وقالي يا أبا أنا هبلغ الشرطة عن الجريمة دي وعن الآثار المهربة.. الكلاب عرفوا، خنقوه بسلك معدني ورموا جثته على شريط القطر في طنطا عشان تبان حادثة قطار بشعة تضيع ملامحه! وبفلوسهم ونفوذهم والمحامي رشاد، اشتروا ورق من الجنايات ولبسوا القضية إن الجثة لمدحت عصفور عشان يداروا على الجريمة ويهربوا مدحت الحقيقي برة البلد! قيدوها حادثة.. ودم ابني راح هدر تحت قضبان القطر!"
انتحب العجوز بعنف، وفتح كفتيه المرتعشتين، وتابع وهو يضغط على أسنانه بشراسة:
"سألتني عن البصمات؟ أنا عشت عشر سنين بيموت في اليوم مية مرة.. لما استلمت أشلاء ابني وملابسه الملوثة من المشرحة زمان، احتفظت بقطع قماش من 'القفازات الجلدية والمواد الكيميائية' اللي كان بيشتغل بيها، وكانت مشرَّبة بعرقه وبصمات إيديه الحقيقية اللي انطبعت في مسام الجلد بحكم الشغل.. كنت بلبس الجوانتي القديم ده المشرَّب ببصماته فوق إيدي وأنا بمسك السلك وبمسح الآثار.. كنت عايز العالم كله يعرف إن ابني منامش في قبره! كنت عايز الرعب ياكل قلوبهم ويعرفوا إن الميت مابيموتش تاره في الدلتا!"
طقوس القصاص وعجين الموت
أخذ العجوز نفساً عميقاً، والشرر يتطاير من عينيه، وبدأ يشرح بعبقرية مرعبة كيف أدار مباراة الموت في مدن الغربية:
"أنا اللي كنت شغال بوفهجي في مكتب رشاد، ومن زمان بشتغل في شوادر طنطا وعارف الصنعة.. أخدت تركيبات ابني الكيميائية اللي سابها في كشكوله القديم.. طبخت 'مادة لاصقة شديدة الصلابة' وخلطتها بمسحوق الطوب الأحمر والسم السريع.. المادة دي سائلة، بس أول ما تدخل البق وتلمس اللعاب والهوا، بتتجمد في ثواني وتبقى زي قالب الطوب الحجري! رحت للحاج غريب في شادر طنطا، دخلت عليه بحجة إني جايب له طلب.. خنقته بالسلك، وقبل ما تطلع روحه صبيت المادة دي في بقه وإيديه.. قولتله دوق طعم الصلابة اللي دفنت بيها العمال ودم ابني! لبسته جلباب الفرح الأبيض عشان أقول للدنيا إن ده عِرس القصاص!"
وتابع بصوت متحشرج تقشعر له الأبدان:
"وبعدها رحت للمهندس شاكر في عنبر الغزل بالمحلة.. أنا معايا مفاتيح العنابر كلها لأني كنت بورد لهم طلبات من مكتب رشاد.. علقته وسط خيوط المغازل عشان يبقى شبه العروسة الخشب اللي حركها بفلوسه، وحشيت بقه بنفس الطوب الدايب.. أما المحامي رشاد.. عرف إني كشفته لما لقيته بيدور في الملفات القديمة وزفتى.. رحت له المكتب، ولما واجهته خنقته، وولعت في المكتب عشان أحرق كل الرشاوى اللي ثبتت ذنبهم.. وحطيت كسر الطوب الحقيقي فوق صدره وعينيه عشان يشيل قبر ابني وهو ميت! والنهاردة كان الدور على عبد الستار.. لأنه المقاول اللي ردم الحفرة على جثة ابني والعمال واشترى الأرض عشان يبني عليها إمبراطوريته.. بس إنتوا وقفتوا بيني وبين تاري!"
شروق فوق مزارع الغربية
ساد صمت مهيب في مكتب التحقيق، صمت لم يقطعه سوى أنين العاصفة التي بدأت تهدأ تدريجياً في الخارج. تم تدوين الاعتراف بالكامل، وتوقيع المحاضر الجنائية، وتحريز السلك المعدني والمواد الكيميائية كأدلة قاطعة. وصدر أمر النيابة العامة بنقل عم عبده إلى السجن المركزي بطنطا على ذمة المحاكمة تحت حراسة مشددة، بينما اقتيد عبد الستار الجبالي وهو يرتجف، ليس كضحية نجا، بل كمتهم سيعاد فتح ملفات الماضي القديمة والتنقيب غير المشروع معه.
مع حلول الساعة السادسة صباحاً، بدأت العاصفة تنقشع تماماً، وتجلت خيوط الشمس الأولى وهي تشرق بفخامة ومهابة من خلف مزارع الغربية الخضراء الممتدة في الأفق. كان المشهد ساحراً؛ الحقول تبدو كأنها بساط من الزمرد تحت النور الجديد، والمدن بدأت تستيقظ على واقع طُهرت فيه من دنس دافع الخيانة القديم.
وقفنا أنا والرائد سعد في شرفة نقطة الشرطة، ننظر إلى سيارة الترحيلات وهي تتحرك ببطء وسط الضباب الذي بدأ يتلاشى. تنفس سعد بعمق، ونظر إلى قالب الطوب الأحمر المحرز، وقال بنبرة مليئة بالتأثر:
"والله يا فندم الجريمة دي تخوف.. العجوز ده عاش عشر سنين بيخطط وبيحتفظ بريحة ابنه وبصماته عشان يعمل العرض المرعب ده في شوادر طنطا ومصانع المحلة."
نفثتُ دخان سيجارتي ببطء، ونظرت إلى الأراضي الزراعية الشاهقة التي حفظت تاريخ طيبة أهل الدلتا، ثم قلت بنبرة فلسفية بليغة وصارمة صبغت نهاية هذا الملف المعقد من ملفات الأحياء الهادئة:
"الطوب الأحمر ده يا سعد.. بيبني بيوت تستر الناس وتدفي عيالهم في برد الشتا.. ده أصله طمي الأرض والخير.. لكن لما الطمع والجشع يحولوه لأداة ردم فوق جثث الغلابة، ولما يتبني بدم الناس الأبرياء وفوق أحلامهم.. الطوب الأحمر ده بيتفسخ من جواه.. بيتحول لمقبرة ضلمة وملعونة بتحبس جواها الجاني والضحية مع بعض.. ومحدش في النهاية بيطلع منها حي.. اللعنة مكنتش في عجين الحلوة ولا في السكر يا سعد.. اللعنة كانت في قلوب نسيت إن عدالة ربنا مابتنامش، وإن الأرض مابتبلعش دم المظلوم مهما طال الزمن."
واستدرتُ، ساحباً معطفي، ومشينا نحو السيارة لنعود إلى القاهرة، تاركين خلفنا شوادر طنطا ومغازل المحلة تغتسل بنور الصباح، بعد أن كُتبت النقلة الأخيرة، ونطقت الأرض بكلمة "العدل" في وجه الخائنين.